أرشيف المجلة الشهرية

القضية: هل يجمع الاقتصاد ما تمزقه السياسة؟

في 15 أيار/ مايو عام 1936، افتتح في مبنى مدرسة التجهيز (ثانوية جودت الهاشمي لاحقا) معرض دمشق الصناعي والزراعي الأول، فاجتذب مشاركات من مختلف أنحاء البلاد، ومن الدول العربية المجاورة، فكتب الصحفي البارز نجيب الريس في صحيفته (القبس) مقالا بعنوان (أمة في معرض) تحدث فيه عن مقاييس وحدة الأمم، في زمن كانت ترزح فيه سورية في واقع التجزئة، واعتبر أن “وحدة الأمم لا تقاس بالنسبة للجوار والحدود والمسافات فقط، بل تقاس قبل كل شيء بالنسبة للمصلحة المشتركة والارتباط الاقتصادي والتجاري والمنافع المتبادلة” فهل يجمع الاقتصاد ما مزقه الاستعمار بالأمس، وما مزقته السياسة وأنظمة الطغيان اليوم؟ (العربي القديم)

***  

أمة في معرض

بقلم: نجيب الريس

حينما أضربت دمشق إضرابها العظيم، وتبعتها بقية البلاد السورية، حسب بعض الناس أن تأثير هذا الإضراب لن يتجاوز حدود الجمهورية من حوران إلى الجزيرة، ولكن سرعان ما انكشف هذا التقدير وانفضحت تلك الدعوة، فقد كانت بيروت أكثر تأثراً بهذا الإضراب من حمص أو حلب، بل كانت فلسطين أشد شعوراً به من حوران، ذلك لأن وحدة الأمم لا تقاس بالنسبة للجوار والحدود والمسافات فقط، بل تقاس قبل كل شيء بالنسبة للمصلحة المشتركة والارتباط الاقتصادي والتجاري والمنافع المتبادلة، وهاهو اليوم إضراب فلسطين فإن دمشق شعرت به أكثر من بعض مدن فلسطين نفسها، لأن دمشق بالنسبة إلى فلسطين، كبيروت بالنسبة إلى دمشق، كلتاهما مركز تجاري كبير، تقوم مصالح أهلها على التبادل التجاري والاشتراك الاقتصادي، رغم هذه الحدود المصطنعة، والرايات الملونة التي تحمل كل واحدة منها شعار هذه الدولة أو تلك الحكومة!

واليوم قام معرض صناعي تجاري في مدينة من مدن سورية وفي بلد من بلدانها المتعددة؛ فإذا بسكان تلك البلاد المتفرقة يجتمعون في معرض ويلتقون في سوق! فلا حدود وادي الحرير في لبنان، ولا ضفتا النهر الكبير بين طرابلس وطرطوس، ولا جوازات السفر بين درعا وعمان، ولا تبدل الأشرطة بين الحمة وسمخ، وزلا هذه الأعلام الزاهية الألوان، المختلفة الشارات، التي تخفق فوق قصر معرض دمشق، ليس هذا جميعه بقادر على أن يقنع أحدا من سكان هذه البلاد بأن في سورية دولاً أو حكومات متعددة، بل كل ذلك على العكس، دليلا جديدا على أن سورية بلد واحد من رفح إلى طوروس، وأن إضرابا واحدا في ناحية من نواحيها يشل حركة جميع النواحي الأخرى، وأن سوقاً تجارية تقام في دمشق في كل بضع سنين مرة، تجعل هذه الأمة تهرع إلى هذه السوق من أقصى الحدود ومن وراء الحواجز، تبيع وتشتري وتتبادل الربح والنفع… ثم لا تخجل سياسة الاستعمار أن تقول إن في الجنوب وطنا صهيونياً، وفي لبنان وطناً مسيحياً، وفي دمشق حكومة إسلامية، وأن في اللاذقية شعباً علوياً، وفي السويداء عنصر درزياً، وأن لا بد من التجزئة ولا مناص من الانفصال، فإذا بهذه الدعوة السخيفة يهدمها إضراب وتزعزعها مظاهرة ويهزأ منها معرض!

هذه هي الأمة الواحدة، فمهما أرغموها على التباعد، ومهما أقاموا بينها الحواجز والحدود، تراها تلتقي في أول فرصة، وتجتمع على أهون سبيل، لأن ما جمعه الله لن تقوى قرارات المفوضية العليا أن تفرقه، وإذا حاولت هذه التفرقة مدة من الزمن، فإن العدل والمنطق لن يعدما أنصاراً يقولون كلمة حق ويشهدون شهادة عدل. وإذا كان معرض دمشق قد أثبت حيوية هذه الأمة، وسجل جبروتها في عراك المصائب وكفاح الاستعمار، وأثبتت وجودها في ميادين الصناعة والتجارة والفن، فقد أثبتت من جديد وحدتها القومية والسياسية والفكرية.

جريدة (القبس) الدمشقية، العدد (866) 5/6/1936

___________________________

من مقالات العدد السابع من مجلة (العربي القديم) كانون الثاني/ يناير 2024

زر الذهاب إلى الأعلى