في جمهورية "القرار الصادم": قرارات عبثية بلا مظلات، وسياسة الهدم بلا بدائل
عام وثلاثة أشهر على الحكومة الوليدة: قرارات تُتخذ بمنطق "الغنائم" وتُنفذ بعقلية "الميدان"

منيب محمد مراد – العربي القديم
لم نكن نتوقع، ونحن نطوي صفحة الاستبداد الطويلة، أن نستبدل “دولة القبضة الأمنية” بـ “دولة التخبط الإداري”. اليوم، وبعد مرور عام وثلاثة أشهر تقريباً على الحكم الجديد في سوريا ما بعد الأسد، بتنا أمام مشهد سريالي: حكومة تتصرف وكأنها تدير معركة عسكرية خاطفة، لا دولة مثقلة بالأزمات في حقيقتها تحتاج إلى مبضع جراح، لا إلى فأس حطاب.
المشكلة لم تعد في النوايا التي نحسبها نظيفة بكل تأكيد، بل في المنهجية؛ وهي منهجية تقوم على ركيزة واحدة مرعبة: “اتخذ القرار، نفذه فوراً، ثم فكر في العواقب لاحقاً.. أو لا تفكر أبداً”. إنها سياسة “الأرض المحروقة” لكن هذه المرة ضد الهياكل الإدارية والمعيشية للمواطن، وليس ضد العدو.
متلازمة “الصدمة” بلا علاج
تتجلى عبثية المشهد في الآلية التي تُطبخ بها القرارات. فهي تصدر من القمة، لتهبط كالمطرقة على رؤوس الناس دون تدرج، ودون دراسة جدوى، والأخطر: دون بدائل. حكومتنا العزيزة تعدنا دائماً بأن البديل قادم، لكنها تهدم الجسر الذي يقف عليه المواطن قبل أن تشرع حتى في رسم مخطط الجسر الجديد.
لعل المثال الصارخ والأكثر إيلاماً هو ملف الطاقة. بقرار بيروقراطي بارد، قفز سعر كيلوواط الكهرباء من 10 ليرات إلى 300 ليرة دفعة واحدة! في أي مدرسة اقتصادية يحدث هذا النوع من “العلاج بالصدمة” لمجتمع خارج لتوه من حرب 14 عامأً ومن حكم مدمر دام نحو 60 سنة؟
دعونا نتحدث بلغة الأرقام التي لا تكذب: حين يكون متوسط راتب الموظف السوري يتراوح بين 700 ألف إلى مليون ليرة، وتأتي فاتورة الكهرباء (الدورية كل شهرين) بحد أدنى 600 ألف ليرة، فهذا يعني رياضياً أن الحكومة تطلب من الموظف أن يعمل شهراً كاملاً فقط ليشعل مصباحاً وثلاجة، أما التدفئة فقد باتت ترفاً برجوازياً قد يكلفه راتبه كاملاً وزيادة. الحكومة رفعت الرواتب، نعم، لكنها بقرار الكهرباء استردت الزيادة وأخذت معها ما تبقى من كرامة العيش.
الموظف والتاجر الصغير: ضحايا الارتجال
لا تقف العبثية عند حدود الجباية، بل تتعداها إلى قطع الأرزاق.
قرار منع “البسطات” في الشوارع، وإن كان يبدو في ظاهره تنظيمياً وحضارياً ومطلوباً، إلا أنه في توقيته وعدم توفر بدائل فورية يمثل “جريمة إنسانية”. أنت تمنع فقيراً من البيع في الشارع، لكنك لم تخصص له سوقاً بديلاً، ولم تؤمن له فرصة عمل. أنت ببساطة تقول له: “مُت جوعاً، لكن لا تشوه المنظر العام”.
وعلى المقلب الآخر، نرى المجـ.ـزرة الوظيفية بحق عمال العقود. مئات الموظفين سُرّحوا بجرة قلم تحت ذريعة “تخفيف العبء المالي” و”عدم الإنتاجية”. بعض من هؤلاء رؤساء أقسام، وعن خبرات تمتد لـ 25 سنة، وجدوا أنفسهم في الشارع. الحجة أنهم لا يعملون في الوظيفة أو إنهم محسوبون على النظام السابق؟ الواقع يقول إن أغلبيتهم الساحقة ليسوا “شبيحة”، بل بيروقراطيين سيّروا عجلة الدولة في أحلك الظروف.
والمفارقة المضحكة المبكية، أن هؤلاء فُصلوا، ولم يجري تعيين بدلاء لهم حتى الآن! النتيجة؟ مؤسسات فارغة، معاملات متكدسة، وذاكرة مؤسساتية دُمرت بالكامل؛ لأن من اتخذ القرار ظن أن توفير الراتب أهم من استمرار العمل.
أزمة “المقاتل” في كرسي “المدير“
إذا بحثنا عن جذر هذه الكوارث، سنجده في الهيكلية البشرية للإدارة الحالية. وفي حين أن الوزراء في الغالب هم واجهات مدنية أو تكنوقراط، إلا أن “الدولة العميقة” الجديدة، أي الجهاز التنفيذي الذي يحتك بالمواطن، يعاني من خلل بنيوي قاتل.
تشير التقديرات إلى أن 90% من المناصب الإدارية الوسطى والدنيا قد شُغلت بمقاتلين سابقين في فصائل الثورة. وإننا إذ نحترم تضحياتهم في الخنادق؛ ولكن “إدارة الخندق” تختلف كلياً عن “إدارة المرفق”.
لا يمكن لمن اعتاد إصدار الأوامر العسكرية الفورية أن يستوعب تعقيدات الإدارة المدنية، والتراتبية الوظيفية، والأبعاد الاجتماعية للقرارات الاقتصادية. هؤلاء ينفذون القرارات بعقلية “السمع والطاعة” دون مراجعة الوزير في كارثية النتائج، وتغيب عنهم الكفاءة التخصصية اللازمة لإدارة شؤون الناس، وقد أثبت عدد كبير منهم أنهم ليسوا أهلاً للوظيفة الموكلة إليهم.
خارطة طريق للخروج من العبث
إن الانتقاد وحده لا يبني دولة، ولأننا حريصون على نجاح هذه التجربة الوليدة التي لا نريد أن تسقط ونسقط معها؛ نضع هذه الحلول العاجلة برسم الحكومة:
- وقف سياسة الصدمة (التدرج هو الحل): يجب تجميد قرارات الرفع الفوري للأسعار، واستبدالها بخطط رفع تدريجي تمتد لسنوات، تتوازى مع تحسن حقيقي في القوة الشرائية وليس مجرد زيادات ورقية في الرواتب تلتهمها الأسواق فوراً.
- الفصل بين “النضال” و”الإدارة”: يجب إنهاء حالة “عسكرة الوظيفة العامة”. الأولوية للكفاءة لا للولاء الفصائلي. ومن المهم إخضاع شاغلي المناصب الحالية لدورات تأهيل إداري مكثفة، أو استبدالهم بكفاءات (حتى لو كانت من التكنوقراط القدامى غير المتورطين بالدم) لضمان دوران عجلة الدولة.
- البديل قبل الحظر: لا يجوز تطبيق أي قرار منع (كبسطات الشوارع) قبل تجهيز البديل وتأمين المكان. الدولة وظيفتها التنظيم لا المنع.
- إعادة النظر في ملف المفصولين: يجب تشكيل لجان تَظَلُّمٍ حقيقية ومستقلة لإعادة الكفاءات التي فُصلت تعسفياً، فالدولة بحاجة لخبرتهم لتدريب الجيل الجديد، بدلاً من ترك المؤسسات خاوية على عروشها.
- المجالس الاستشارية: لا يجوز أن ينفرد وزير أو مدير بقرار يمس ملايين السوريين. تفعيل المجالس الاستشارية التي تضم خبراء اقتصاد واجتماع قبل إصدار القرارات هو صمام الأمان الوحيد.
- تفعيل دولة القانون والمؤسسات — للجميع بلا استثناء: لا يمكن لأي إصلاح أن يستقيم في بيئة يغيب عنها القانون. يجب أن يخضع الجميع — المسؤول قبل المواطن، والمقاتل السابق قبل الموظف القديم — لسلطة القانون. الدولة لا تُبنى بالولاءات بل بالمؤسسات، والمؤسسات لا تحيا إلا في ظل قانون يُطبّق على الجميع دون انتقائية. إن غياب دولة القانون يحوّل كل إصلاح إلى فوضى، وكل قرار إلى أداة تسلط، ويفتح الباب واسعاً أمام “استبداد جديد” بمسميات ثورية.
- إطلاق يد الإعلام ومنظمات المجتمع المدني — الرقيب والشريك: إن الحكومة التي تخشى الانتقاد هي حكومة تخشى المرآة. يجب أن يُسمح لمنظمات المجتمع المدني بممارسة دورها الرقابي والتنموي بحرية كاملة، وأن يُحترم دور الإعلام كسلطة رابعة لا كبوق دعاية. هذه المنظمات ووسائل الإعلام ليست “عدوّاً” للحكومة، بل هي “جهاز إنذار مبكر” يكشف الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث، و”شريك بناء” يُسهم في صياغة السياسات العامة من منظور المواطن لا من منظور المكتب الوزاري. الدول التي أسكتت إعلامها وحاصرت مجتمعها المدني لم تنجح في بناء شيء سوى جدران الاستبداد.
إن سوريا اليوم لا تحتمل المزيد من التجارب. الشعب الذي صبر على البراميل والصواريخ، قد لا يصبر طويلاً على الجوع والقرارات العبثية التي تدار باسمه. الحكومة الجديدة أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول إلى “دولة مؤسسات”، أو تبقى “إدارة ثورية” تأكل أبناءها بقرارات إدارية طائشة.
في الختام، هذه الدولة دولتنا، ولأننا حريصون على بقائها وبقائنا معها؛ فإننا ننتقدها لأجل البناء لا لأجل التشويه أو الحقد لا سمح الله، كما يروج المطبلون.
الوقت لم ينفد، والأيام لم تنقضِ، والحلول موجودة، ومصلحة المواطن أهم بألف مرة من مصلحة المستثمر، ونحن ما زلنا في البداية، وكما يقال “الرجوع عن الذنب فضيلة” والتراجع عن القرار الخاطئ سيرفع أسهم الحكم في نظر شعبه المناصر له.