الرأي العام

لماذا ظهر الأنبياء بين نهري الفرات والنَّيل؟

مهنَّا بلال الرَّشيد

يطرح عنوان هذا المقال سؤالاً مهمّاً، ويرتبط بسيلٍ كبير من الأسئلة الأخرى، الَّتي تسعى في مجملها إلى رسم صورة عن تطوُّر الأديان في المشرق؛ مهبط الوحي السَّماويِّ ومصدر أقدم التَّشريعات الوضعيَّة؛ ومن هذه الأسئلة: ما أسباب التَّشابه بين الشَّرائع الوضعيَّة والسَّماويَّة؟ أيُّ هذه التَّشريعات أقدم؛ التَّشريعات الوضعيَّة أو التَّشريعات السَّماويَّة؟ هل استفادت الشَّرائع اللَّاحقة من الشَّرائع السَّابقة أو هي حاجات عشوائيَّة؟ أو يرجع التَّشابه بسبب تلبية الحاجات المجتمعيَّة؟ أين تقع الكتابات الأخلاقيَّة والفلسفيَّة بين التَّشريعات الوضعيَّة والشَّرائع السَّماويَّة؟ كيف واكبت أديان المشرق وشرائعه الوضعيَّة تطوُّرَ حياة البشر من مجتمعات أموميَّة لدى قبائل الجمع والصَّيد البدويَّة إلى مجتمعات أبويَّة مدنيَّة في القرى الزِّراعيَّة الأولى؟ وما التَّحوُّلات الكبرى الَّتي طرأت على بنية هذه المجتمعات؟ أكانت هذه التَّحوُّلات الكبرى في التَّشريعات الدِّينيَّة (بين اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام) نتيجة علم الله -سبحانه وتعالى- بتحوُّلات المجتمع القادمة أم استقرأ المشرِّعون الوضعيُّون حاجات المجتمع، وصاغوا تشريعاتهم بما ينظِّم العلاقات الاجتماعيَّة في ظلِّ تلك التَّحوُّلات؟

هل هناك فرق على مستوى تلبية القانون الدِّينيِّ أو الوضعيِّ للحاجات الاجتماعيَّة إن صدر هذا التَّشريع من الله -سبحانه وتعالى- إلى نبيِّه مباشرة عبر ملاك الوحيِ أو إن ألهم الله -سبحانه وتعالى- أحد أنبياءه أو أحد القادة الفاتحين وعظماء المشرِّعين تلك القدرة على صياغة القانون وتشريعه؟ هل هناك فرق من حيث فائدة الدِّين الاجتماعيَّة إن كان هذا الدِّين كتاباً سماويّاً نزل من اللَّوح المحفوظ على دفعات ومراحل تلبية لحاجات النَّاس، أو إن كان إلهاماً مباشراً من الله إلى عقل القانونيِّ أو المشرِّع الَّذي خلقه الله، وألهمه ذاك القانون؟ وما هي أقدم ديانات الشَّرق بين الفرات والنِّيل؟ وهل كانت شرائع وضعيَّة أو قوانين روحانيَّة أخلاقيَّة أو أديان سماويَّة؟ ما أسباب تشابه قصَّة طوفان نوح -عليه السَّلام- في الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم مع قصَّة الخلق والطُّوفان البابليَّة (إينوما إيليش)؟ ما أسباب تشابه قصَّة ولادة سرجون الأكديِّ (2270-2215) ق.م وإلقائه في النَّهر بعد ولادته مع قصَّة إلقاء أمِّ موسى ولدَّها نبيَّ الله في اليمِّ بعد قصَّة سرجون الأكديِّ بزمن طويل؟ ما أسباب التَّشابه الحرفيِّ بين الآية الأولى من سِفر التَّكوين في الكتاب المقدَّس مع مدوَّنة من مدوَّنات إيبلا مع أنَّ تدوين رُقم إيبلا كان حوالي (2500) قبل الميلاد، أمَّا تدوين التَّوراة فقد كان بعد ذلك بأكثر من ألف سنة؟ وساهم في تدوين التَّوراة عدد كبيرٌ من المدوِّنين على مدى ألف سنة تقريباً؛ ولماذا يصلنا أيُّ حديث عن مصادر شريعة إيبلا أكانت مصادر سماويَّة أم مصادر وضعيَّة؟ وما مدى استفادة التَّوراة منها؟ وما علاقتها بغزو سرجون الأكديِّ وحفيده نارام سين (2200-2100) ق.م مملكة إيبلا؟ وما أسباب التَّعتيم على مدوَّنات إيبلا برغم تنبيه جيوفاني بيتيناتو (1934-2011) إلى أسباب أيديولوجيَّة غير مهنيَّة وغير موضوعيَّة قد تدفع إلى التَّعتيم على هذه المدوَّنات، وتمنع من نشرِ نتائج دراستها برغم فكِّ شيفرة كتابتها منذ (1975)؟

شرائع وضعيَّة تلبِّي تحوَّلات المجتمع الكبرى من الحياة البدويَّة إلى الحياة المدنيَّة بعد زراعة القمح:

حين دفنَ أحد الآباء من الشُّيوخ المُسنِّين حبَّات قمحه في تلال كوبكلي تبَّه (Göbekli Tepe)، وعاد إليها بعد شهور طويلة من المطر والبحث علن الطَّعام، وجدها سنابل قمح ذهبيَّة؛ فتعلَّم بذلك الزِّراعة، وراح يُكرِّر دفنَ القمح في التُّربة ورعايته وحصاده؛ ليُنتج طعامه بيده مع أبنائه الَّذين أخرجهم بزراعة القمح من عنق الزُّجاجة في أحلك مراحل الجوع التَّاريخيَّة، الَّتي مرَّت بها البشريَّة؛ ولهذا أُعجب الأحفاد والأبناء بحكمة الآباء والأجداد؛ ولهذا صارت عبادة الآباء والأجداد واحدة من أشهر أديان الشَّرق، وكانت هذه العبادة مزيج من تقدير الآباء والأجداد الأخلاقيِّ الَّذي تحوَّل إلى تقديس دينيٍّ فيما بعد؛ حيث يردُّ الجانب الأخلاقيُّ الخروج من عنق الزُّجاجة إلى حكمة الآباء والأجداد، ويردُّ الجانب الدِّينيُّ الرُّوحانيُّ هذه النَّجاة إلى الله أو العوالم الغيبيَّة أو إله السَّماء، الَّذي أنزل المطر؛ ولهذا أيضًا يشير القرآن الكريم -في مواضع كثيرة جدًّا- إلى تشبُّث هذه المجتمعات الشَّرقيَّة الشَّديد بعبادة آبائها وتمسُّكهم بأديانها وصعوبة التَّحوُّل عنها في مواضع كثيرة، وفي سورة البقرة يقول الله عزَّ وجلَّ: (وإذا قيل لهم اتَّبِعوا ما أنزل الله قالوا بل نتَّبِع ما ألفينا عليه آباءَنا أَوَلَو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون) [البقرة 170]. وههنا نسأل: كيف كان شكل القوانين في مجتمعات الجمع والصَّيد قبل الزِّراعة؟ وكيف صار شكلها في المجتمعات الزِّراعيَة؟ وما هي أقدم شرائع البشريَّة؟ أهي شرائع وضعيَّة أم شرائع دينيَّة؟ وإن دلَّنا التَّاريخ على أهمِّ المشرِّعين الوضعيِّين في بلاد ما بين النَّهرين مثل (جوديا الحكيم) و(أشنونا) و(أوركاجينا) و(حمورابي) و(زرادشت) فإنَّ السُّؤال الأكثر إثارة يقول: كيف وصلتتنا الشَّرائع السَّماويَّة؟ ولماذا فضَّل جبريل (عليه السَّلام) وسائر الملائكة المكلَّفين بنقل الوحي أن ينزلوا على الأنبياء في خَلواتهم على رؤوس الجبال وفي المغاور البعيدة مع أنَّ معظم مشرِّعي العراق كان يقطنون على التِّلال المبنيَّة لحماية المجتمعات والمحاصيل الزِّراعيَّة؟ ثمَّ سكن رجال الدَّولة من المشرِّعين وجباة الضَّرائب في الزَّقُّورات والقلاع المبنيَّة لتجميع المحاصيل في المجتمعات الاشتراكيَّة البدائيَّة في القرى الزِّراعيَّة الأولى.

وإن كان آدم -عليه السَّلام- أوَّل نبيٍّ وأبا البشر جميعهم؛ فلماذا لم تصلنا شريعته؟ وإن كان إدريس -عليه السَّلام- أوَّل من كتب بالقلم -بحسب أصحاب النَّظريَّة الدِّينيَّة الإسلاميَّة- فأين ذهبت شريعته؟ وإن أفنى الله -سبحانه وتعالى- معظم البشريَّة بعد طوفان نوح -عليه السَّلام بحسب النَّظريَّة التَّوراتيَّة- لتبقى سلالة كلٍّ من أبنائه الثَّلاثة فقط: (حام وأبناؤه من الأفارقة السُّمر)، و(سام وأبناؤه السَّاميِّين في بلاد الشَّام وبلاد الرَّافدين والجزيرة العربيَّة)، و(يافث وأبناؤه الأوروبِّيُّون الشُّقر من الشُّعوب الآريَّة) فلماذا يُظهِر تحليل الحمض النَّوويِّ تباعداً كبيراً بين هذه الأعراق من الأخوة (سام، وحام، ويافث) برغم عودتهم جميعاً إلى أبيهم نوح عليه السَّلام؟ لماذا يثبت تحليل الحمض النَّوويِّ تباعداً بعيداً بين آباء الأعراق البشريَّة الرَّاهنة وأجدادها يرجع إلى عشرات آلاف السِّنين مع أنَّ المؤرِّخين يقدِّرون أنَّ طوفان نوح -عليه السَّلام- حصل بين (4000-3500) قبل الميلاد؟ وإن كنتَ -قارئي العزيز- من المؤمنين بالنَّظريَّة الدِّينيَّة (التَّوراتيَّة أو الإسلاميَّة المتشابهتين جدًّا) في خلق الكون والإنسان، أو من المنحازين للنَّقل الدِّينيِّ أو النَّصِّ الدِّينيِّ المنقول إلينا بالوحي عند تعارضه مع العقل والتَّأويل إلى حدِّ رفض التَّفكير بمثل هذه الأسئلة، فقد تجد صعوبة في فهم بعض جزئيَّات هذا المقال؛ لذلك لن أُسهب في طرح الأسئلة الكثيرة جدّاً والمتعلِّقة بهذه الفكرة؛ لأرجع إلى رصد تحوُّلات المجتمع الكبرى من مجتمعات جمع وصيدٍ أموميَّة إلى مجتمعات زراعيَّة أبويَّة بسبب التَّحوُّل إلى الزِّراعة وإنتاج الغذاء بجهود الإنسان بدل اعتماد مجتمعات الجمع والصَّيد البدويَّة أو الأبويَّة على ما تجود به الطَّبيعة.

لمحة عن الحياة الأموميَّة في مجتمعات الجمع والصَّيد البدويَّة:

عاشت قبائل الجمع والصَّيد البدويَّة في الكهوف والمغاور، وكانت تجمع الثَّمار وتلتقطها، وتصيد الطُّيور والحيوانات في مواسم الوفرة، وتهاجر في الصَّيف والشِّتاء لجمع الثِّمار الموسميَّة من مكان إلى آخر، وكان الزَّواج مشاعيّاً في هذه المجموعات القبليَّة الصَّغيرة، وكان قائد المجموعة (ALPHA) أقوى أفرادها، وهو الَّذي يحصل بسبب قوَّته على أفضل أنواع الغذاء وأجودها، ويتزاوج مع إناث مجموعته، وكان الذُّكور الآخرون يتزاوجون مع الإناث بعيداً عنه، وكان بإمكان الذَّكر أن يتزوَّج أكثر من أنثى، وكان بإمكان الأنثى أن تتزوَّج أكثر من ذكر في وقت واحد أو وقتين متقاربين، وإن كانت المجموعة كلُّها من الأقارب فإنَّ الطِّفل يعرف والدته، الَّتي ولدته وربَّته، ويجهل والده الحقيقيَّ في غالب الأحيان، وكانت المشكلة الكبرى في هذه المشاعيَّة ذاتها؛ لأنَّها مجتمعات أموميَّة؛ ستعاني المرأة فيها شهوراً طويلة قد تبلغ ثلاثة أعوام أو أكثر منذ لحظة الحمل مروراً بآلام المخاض والولادة ومصاعب رعاية الطِّفل الصَّغير بمفردها، حتَّى يصبح الطِّفل قادرًا على المشي والرَّكض وأفراد الجماعة البشريَّة، في الوقت الَّذي يتمتَّع فيه الذُّكور باستقلاليَّة تامَّة، وستكون مساعدتهم لزوجاتهم الحوامل من باب الشَّفقة لا من باب تحمُّل المسؤوليَّة، وقد أجبرت الأمراض الوراثيَّة هذه المجموعات على الانقسام إلى مجموعتين كلَّما زاد عدد أفرادها عن (150) في غالب الأحيان، ولم يُجبرها على تغيير نمط حياتها الأموميَّة إلَّا مأزق عنق الزُّجاجة، الَّذي فرض على أفرادها التَّعاون والتَّنسيق وتقسيم العمل؛ لإنتاج غذائهم بجهودهم والعمل الزِّراعيِّ المنظَّم بدل اللَّهو والهجرة والتِّرحال؛ فكيف حصل هذا التَّغيُّر؟ وكيف واكبته الشَّرائع والأديان؟

استصلحت المجموعة البشريَّة أرضاً صغيرة، وأنتجت منها قمحاً كثيراً؛ لذلك كان عليها أن تعتمد على هذا النَّمط من الإنتاج الزِّراعيّ، وتجعله نموذج حياتها الاجتماعيَّة، وتواكبه بقوانين وضعيَّة؛ لتحافظ على سيره؛ فقد كانت قوانين المجتمع الأموميِّ قبل التَّحوُّل إلى مجتمعات القرى الزِّراعيَّة قوانين عُرفيَّة، ويجب على الجميع فيها أن يحترموا قوَّة قائد الجماعة (ALPHA) الَّذي تحوَّل إلى قائدٍ منتجٍ ومشرِّعٍ في المجتمع الزِّراعيِّ النَّاشئ، وعرفنا أنَّ الزَّواج كان مشاعاً مثله مثل التقاط الثَّمار المشاعيَّة في مجتمعات الجمع والصَّيد، ولم يكن هناك علاقة أُبوَّة واضحة تربط الطِّفل الجديد بوالد محدَّد، وإنَّما لديه علاقة وثيقة بأمِّه الَّتي حملته، ورعته حتَّى صار قادراً على المشي والرَّكض، وفي تأويل أنثروبولوجيٍّ ربَّما يعود ميلُ الأطفال إلى أمَّهاتهم في المجتمعات الحديثة، ويرجع تعلُّقهم الشَّديد بهنَّ إلى هذه المرحلة التَّاريخيَّة الانتقاليَّة، ويُعرف هذا التَّعلُّق بالمرحلة المريوليَّة، الَّتي تعبِّر عن رغبة شديدة لدى الطِّفل بإمساك مريول أمِّه أو ثوبها، لكنَّ الأمر سيختلف جذريّاً من الآن فصاعداً، فالمجتمع الزِّراعيُّ النَّاشئ بحاجة إلى تعاون الجميع وتقسيم العمل بينهم وتنظيم الأدوار وتلبية الحاجات الأساسيَّة أيضاً في نمط أوَّليٍّ مريح من أنماط الاشتراكيَّة؛ فالرِّجال الأشدَّاء ينظِّفون الأرض من الصُّخور والحجارة، ويحرثون الأرض، ويبذرونها، ويحملون المحاصيل الثَّقيلة، والنِّساء تُسهم مع الأطفال في تنظيف الأرض من الأعشاب والتقاط الثِّمار أو حصادها، كما يعمل قِسمٌ من الشُّيوخ المسنِّين حُكماء مشرِّعين أو كُتَّاباً أو جُباة ضرائب أو نواطيرَ على تلال التَّواصل والحراسة المحيطة بالأراضي الزِّراعيَّة، الَّتي تتوسَّع، ويزيد عدد سكَّانها وتلالها عامًا بعد عام، وكان لا بدَّ من جنودٍ وفرسان أشدَّاء يصدُّون أيَّ غزوٍ أو عدوٍّ خارجيٍّ مُداهم، وكان لا بدَّ من جُباة ضرائب يجمعون محاصيل القمح بعد أن تغربلها النِّساء أو تنظِّفها؛ لإعادة توزيعها بالعدل على النَّواطير والمقاتلين والصُّنَّاع الماهرين والأُسر العاملة في هذا التَّجمُّع الزِّراعيِّ؛ وههنا تُساعدنا الفيلولوجيا على فهم معنى اسم (كوشيم)؛ وهو اسم أقدم جابي ضرائب، وصاحب أقدم توقيع على أقدم لوح طينيٍّ في بلاد الرَّافدين، فقد وصلتنا مجموعة من ألواح الطِّين العراقيَّة القديمة، هي عبارة عن فواتير، يذكر فيها الجابي أنَّه قبض أرطالاً من القمح والشَّعير والثِّمار، وذيَّلها بتوقيعه: (كوشيم)؛ ولم يكن هناك حرف لكاتبة (السِّين) في اللُّغات السَّاميَّة؛ وهذا يعني أنَّ (كوشيم) هو (قاسم) أو جابي الضَّرائب وجامعها؛ ليعيد تقسيمها بالتَّساوي على مَن يعمل بالزِّراعة والحراثة والاتِّصالات والصِّناعة، فالكوشيم ما هو إلَّا (القاسم) بالعدل بين النَّاس، والرَّاجح عندي أنَّ (أبا القاسم)؛ لقب الرَّسول محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- يرتبط بشكل أو بآخر بهذه الدَّلالة، ولكن كيف ظهر مفهوم العائلة؟ وكيف نظَّمت الشَّرائع الوضعيَّة العلاقات الأُسريَّة؟ وكيف تحوَّلت هذه الشَّرائع إلى قوانين دينيَّة مقدَّسة؟  

ظهور العائلة وتحوُّل المجتمعات الأموميَّة إلى مجتمعات أبويَّة:

كان لِزاماً على المجتمع الزِّراعيِّ النَّاشئ أن يلبِّي حاجات الإنسان الأساسيَّة والضَّروريَّة للبقاء؛ تلك الَّتي يحدِّدها هرم أبراهام ماسلو (1928-1970) بدءًا من الضِّروريِّ في أسفل الهرم؛ كالحاجة للطَّعام والشَّراب والأمان والسَّكن والجنس، ثمَّ ترتفع إلى حاجة للعلاقات الاجتماعيَّة والصَّداقات، ثمَّ تعلو إلى حاجات جماليَّة وكماليَّة؛ كالحاجة للتَّرفيه والاستمتاع بالفنون، وفي أعلى الهرم تقع الحاجة إلى التَّقدير والاحترام وخلود الآباء والأجداد في وجدان الأبناء والأجيال القادمة، وهذا يُعيدنا إلى فكرة عبادة الآباء والأجداد وتقديسهم، الَّتي تحدَّثنا عنها في بداية المقال.

أدرك حُكماء المجتمعات الزِّراعيَّة النَّاشئة تفاوت الفروق البيولوجيَّة بين الذُّكور والإناث؛ فكلَّفوا الذُّكور بأدوار مختلفة عن مهام الإناث، وأدركوا الفروق الفرديَّة بين الذُّكور أنفسهم؛ فكلَّفوا الفرسان من الذُّكور الأشدَّاء بأدوار قتاليَّة تختلف عن أدوار الأطفال والضُّعفاء، حتَّى أصحاب الذَّكاء اللُّغويِّ والأصوات الشَّجيَّة صار بإمكانهم كتابة الأشعار، وغناء الأناشيد والتَّرانيم في طقوس الاستسقاء والغناء التَّرفيهيِّ في مواسم الحصاد، وهذا ما يُفسِّر نشأة فنِّ الشِّعر (الجماليِّ والتَّرفيهيِّ الكماليِّ) في الحقول الزِّراعيَّة. وأهمُّ حاجة أدركوها -من وجهة نظري- هي تناقض الإنسان ذاته؛ أي رغبته بالعمل حينًا ورغبته بالتَّواكل حينًا آخر، رغبته بوجود القانون الَّذي يحمي الضُّعفاء مرَّة، ورغبته باختراق هذا القانون مرَّة أخرى؛ فكان لا بدَّ من وجود قانون أو تشريع أو دولة لتحقيق العدل، والعدل يختلف عن المساواة طبعاً، ويتمثِّل بتقديم حاجات الفرد الخاصَّة، فما تحتاجه الأنثى غير ما يحتاجه الذَّكر، وما يحتاجه الطِّفل غير ما يحتاجه البالغ، وطالما أنَّ المجتمع الزِّراعيَّ يحتاج إلى جهود الجميع، ويحتاج إلى تنظيم العمل وتقسيم الأدوار، كان لا بدَّ من تقدير المتميِّزين ومكافأتهم؛ وههنا ظهرت الملكيَّة الفرديَّة؛ بسبب توزيع دونُمات الأراضي المستصلحة للزِّراعة على الأُسر النَّاشئة للعمل بها؛ كيلا يتواكل البعض من القاعدين عن العمل، وكيلا يأكلوا من أتعاب غيرهم، وزادت قيمة الملكيَّة الفرديَّة عند مكافأة المتميِّزين في هذا المجتمع.

وكذلك كان لا بدَّ من إنشاء بيت طينيٍّ للحياة الزَّوجيَّة داخل هذا الحقل المفروز للزِّراعة، ولا بدَّ من إنهاء الزِّواج المشاعيِّ القديم، الَّذي يسمح للرَّجل بالزَّواج من أيِّ امرأة بعيدًا عن سطوة القائد (ALPHA)، ويسمح للمرأة بالزَّواج من أكثر من رجل في وقت واحد؛ ولذلك سيلبِّي حكماء المجتمعات الزِّراعيَّة ومشرِّعوها حاجة الذُّكور والإناث البالغين للجنس والزَّواج والبقاء من خلال قوانين وتشريعات عصريَّة تتناسب مع الحياة الجديدة، وتُحدِّد مفهوم العائلة، وتنظِّمه، وتسمح للمرأة أن تتزوَّج من رجل واحد، وتعيش معه في بيته، وتعمل معه في حقله بجوار البيت، وتُحرِّم هذه الشَّرائع على المرأة أن تتزوَّج من أكثر من رجلٍ وقتٍ واحد؛ ليصير الزَّوج مسؤولاً مباشراً عن الأولاد الجُدد داخل هذا البيت، ويتحوَّل المجتمع من مجتمع أموميٍّ في مرحلة الجمع والصَّيد البدويَّة إلى مجتمع أبويٍّ في المجتمعات الزِّراعيَّة النَّاشئة.

شرائع بابل والعراق القديم من أقدم التَّشريعات الَّتي نظَّمت الأسرة وحرَّمت على المرأة تعدُّد الأزواج:

تُعدُّ شريعة حمورابي (1792-1750) ق.م أقدم قانون مدنيٍّ وضعيٍّ في العالم، وتمثِّل تطويراً لشرائع العراق وقوانينها الوضعيَّة، الَّتي واكبت تطوُّر مجتمعاتها الزِّراعيَّة القديمة؛ كشريعة (لبت عشتار) وشريعة (جوديا الحكيم) وقوانين (أشنونا)، ثمُّ تُوِّجت بشريعة حمورابي الوضعيَّة الصَّارمة، والَّتي تنصُّ صراحة على حُرمة زواج المرأة من أكثر من رجلٍ في آن واحد؛ ليجبر مشرِّعو العراق المرأة على التَّخلِّي عن مشاعيَّة الزَّواج القديم، مقابل تخليص المرأة من مآسي المجتمعات الأموميَّة وعذابات المرأة فيها؛ حيث كانت المرأة تعاني من حمل الطِّفل وتربيته لوحدها زمناً طويلاً بعد التَّزاوج؛ وقد تطوَّرت فكرة تحريم تعدُّد الأزواج لدى المرأة إلى فكرة الزَّواج الأبديِّ في الدِّين المسيحيِّ، وحُرِّم فيه تعدُّد الأزواج أو الزِّوجات على الرَّجل والمرأة معاً؛ لتعود الشَّريعة الإسلاميَّة، وتسمح للرَّجل بالزَّواج من أربع نساء، وتحلُّ له بالزَّواج من مُلك اليمين أيضًا، لكنَّ المجتمعات البشريَّة لم تصل إلى هذه المرحلة من التَّشريع الأُسريِّ إلَّا بعد تطوير قوانين كثيرة، والمرور بتشريعات ظلَّت تتحدَّث دائمًا، وكثير منها كان ذا منشأ وضعيٍّ ولم يكن تشريعاً سماويّاً.

تطوُّر الشَّرائع من منظور فيلوالوجيٍّ:

 واليوم -على سبيل المثال- تثبت الفيلولوجيا، أو يثبت فقه اللُّغة المقارن أنَّ التَّوراة أو العهد القديم من الكتاب المقدَّس وعموم الشَّريعة اليهوديَّة قد أخذت نصوصاً وقصصاً بحرفيَّتها من قصص وأساطير وشرائع العراق الوضعيَّة القديمة؛ مثل قصَّة طوفان نوح المأخوذة من أسطورة الخلق والطُّوفان البابليَّة (إينوما إيليش)، كما أخذت الآية الأولى في سفر التَّكوين من ألواح إيبلا بحرفيَّتها، وتثبت أنَّ تدوين التَّوراة امتدَّ على ما يقرب من ألف سنة، كتبَ شريعته رجالٌ كثيرون، وتعدَّد فيه اسم الخالق عزَّ وجلَّ بين اسم (يهوه) (יותר) و(إله) (מְכוֹנָה) و(إلوهيم) (אלוהים) بصيغة الجمع العبريَّة المنتهية بحرفي (الياء والميم)؛ أي علامة جمع المذكَّر السَّالم في اللُّغة العبريَّة، وكلمة (إلوهيم) (אלוהים) بصيغة جمع المذكَّر السَّالم العبريَّة غير بعيدة عن كلمات: (ألواح الطِّين) أو (كراشيم) بالعبريَّة) (קרשים)، رقيم (רקים)، وجَمعُ كلمة (لوح) هو (لوحيم) أو (לוהים) أو (אלוהים)، وكلمة (لوحيم) (לוהים) تتطابق مع كلمة (إله) بصيغة الجمع العبريَّة (إلوهيم) (אלוהים)، ونحن نعرف أنَّ أوَّل ألواح تشريع طينيَّة ضمَّت القوانين والتَّشريعات المقدَّسة قد كتبها (كوشيم) ورجال التَّشريع المقدَّس في تلال الثَّورة الزِّراعيَّة في بابل وجنوب العراق؛ وما كتبوها إلَّا لضبط المجتمع، وتنظيم عمله وعلاقاته الأسريَّة وقوانين عمله، ونقله من حياة المشاع والجمع والصَّيد البدويَّة إلى حياة المجتمعات الزِّراعيَّة المدنيَّة، وكان لا بدَّ من تطوير هذه الشَّرائع؛ لتواكب تطوُّرات الحياة يوماً بعد آخر، وكان لا بدَّ من إضافة بعد قداسةٍ دينيٍّ؛ لإجبار البشر على الالتزام بهذه القوانين من خلال إخضاع هذه المجتمعات لسلطة إله واحد؛ وههنا نفهم الأسباب الَّتي دفعت سرجون الأكديَّ إلى القضاء على عبادة الآلهة السُّومريَّة (إنليل) و(إنو) وتوحيد بابل تحت سلطة الإله مردوخ؛ ونفهم الأسباب الَّتي دفعت حفيده نارام سين إلى غزو مملكة إيبلا في إدلب؛ لإخضاعها كيلا تكون مملكة مستقَّلة عن بابل لغة ودينًا، ويرجح عندنا -ههنا- أنَّ الاسم الأصليَّ لهذه المملكة هو (EBLA)، وأنَّ تسمية الأكروبول باسم (تلّ مرديخ) تحمل معنى (تلّ الإله مردوخ)، وجاءت بعد إحراق نارام سين القصر الملكيِّ في إيبلا.

ونعتقد أنَّ الجابي وكاتب التَّشريع كوشيم قد فعل ما يشبه ذلك قبل سرجون الأكديِّ وحفيده نارام سين حين نسب كتابة ألواحه ورُقمه الطِّينيَّة إلى الآلهة الَّتي تسكن في التِّلال مثلما تسكن آلهة اليونان الوثنيَّة في أعالي جبال الأولمب؛ وذلك ليمنح هذه الألواح قداسة دينيَّة بمعنى قداسة الآلهة والآباء والأجداد؛ ليجبر رعاياه من العمَّال والفلَّاحين على الخضوع لنصوص هذه الألواح؛ وعرفنا أنَّ لفظة لوح تتطابق مع لفظة الإله بصيغة الجمع في اللُّغة العبريَّة (إلوهيم) (אלוהים)، وأراد أن يقول لرعاياه أنَّ الآلهة قد أوحت هذه الألواح؛ أو أنَّ الألواح هي آلهة بابل ذاتها؛ ونختم هذا المقال بتساؤلين مهمَّين: هل كلمة (إلوهيم) العبريَّة بمعنى كلمة الألواح المقدَّسة؟ أو هل تطوَّرت واحدة منها عن الأخرى؟ وهل لهذه الكلمات علاقة ما بمفهوم (اللَّوح المحفوظ) في القرآن الكريم؟

لا شكَّ أنَّ مثل هذه الأسئلة على درجة عالية من الحساسيَّة؛ لكنَّها أسئلة لا بدَّ منها؛ لأنَّ الشُّيوخ والفقهاء ورجال الدِّين وعلماء الأديان المقارنة والمؤرِّخون والآثاريُّون والأنثروبولوجيُّون والفيلولوجيُّون وعلماء الاجتماع المشرقيُّون يقرُّون بأنَّ أوروبَّا لم تبلغ شأناً علميّاً متميِّزاً في مجال الدِّراسات الاجتماعيَّة والإنسانيَّة إلَّا بعدما درست الكتاب المقدَّس بعهديه: القديم والجديد دراسة فيلولوجيَّة أو دراسة فقه لغويَّة مقارنة! 

زر الذهاب إلى الأعلى