خارج عدسة الإبهار: سيرة وجعٍ مُغيَّب
على مدار أربعة عشر عاماً، سُلطت الأضواء على فوهات البنادق وصخب الميادين، بينما غابت تحت وطأة الرماد قصص احتراق "الكبد" السوري في مواجهة الفقد والشتات. هذا المقال محاولة لترميم الذاكرة الجماعية عبر الإنصاف اللغوي والوجداني لمن صمدوا بصمت ولم يحتف بهم.

براء الجمعة * العربي القديم
لماذا هذا المقال الآن؟ (السياق):
بعد عقد ونصف من المأساة السورية، يواجه المجتمع ظاهرة “تنميط المعاناة” واختزالها في أطر عسكرية أو سياسية جافة. تأتي أهمية المقال الآن لاسترداد البُعد النفسي والوجودي للإنسان السوري، ورفض تجريد الضحايا من قصصهم الفردية لصالح “أسطرة” القوة، مما يعيد الاعتبار للإصابة المعنوية التي لحقت بالروح السورية.
في زاوية منسية من مخيمٍ ينهشه البرد، يجلس “أبو سعيد” أمام موقدٍ شحيح، لا يقلّب الجمر، بل يقلّب بصرَه في كفيه المتشققتين كأرضٍ عطشى. ليس في مشهده هذا ضجيج رصاص، ولا خلفه راية تلوّح للنصر، لكن في عينيه يغلي سكونٌ مرعب؛ هو احتراق “الكبد” الذي لا يراه المصورون. لقد فقد هذا الرجل بيته، وبستانه، وثلاثة من أبنائه، ليس في معركة واحدة، بل في سلسلة من التنازلات اليومية القاسية عن أحلامه. “أبو سعيد” هو تجسيد للوجع السوري الذي لم تصله عدسات الكاميرا، الوجع الذي يكتوي بنار الهزيمة الشخصية اليومية أمام سؤال الرغيف، والكرامة، والذاكرة التي تأبى الصمت.
لقد شهدت السنوات الأربع عشرة الماضية في المسار السوري تحولاً خطيراً في سردية المعاناة؛ حيث جرى اختزال مأساة جيل كامل في ثنائية “السلاح والضحية المصوّرة”. صار لزاماً على الضحية أن تكون “مبهرة” لتستحق الذكر، وأن يكون النضال مقترناً ببريق البارودة ليدخل سجل الخلود. هذا الانزياح نحو “أسطرة” الفعل العسكري والإبهار الإعلامي لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل كان آلية غير واعية لتهميش إنسانية الملايين الذين يحترقون في الظل. إن البطولة الحقيقية، في عمقها النفسي، ليست دائماً تلك التي تصرخ في الميادين، بل هي تلك التي تعيشها أمٌّ سورية ترمي بيتها على كتفها كل صباح، وتواجه شتات العالم بابتسامة قسرية لتحمي ما تبقى من أحلام أطفالها.
إن هيمنة “الصورة العسكرية” على المشهد السوري خلقت نوعاً من التجريد القسري للضحايا من إنسانيتهم. حين تغدو البارودة هي الرمز الوحيد للصمود، يتقزم في المقابل صمود المعلّم الذي يدرّس تحت الخيام، والطبيب الذي يداوي بقلبه قبل سماعته، والأب الذي ينحني ظهره ليقيم أود عائلته في بلاد الغربة واللجوء. من الناحية النفسية، نعاين هنا ما يُسمى بالـ “الإصابة المعنوية” (Moral Injury)، وهي جرحٌ غائر في الوجدان يحدث حين يجد الإنسان نفسه مضطراً للعيش في واقع يحتقر تفاصيله الإنسانية الصغيرة لصالح السرديات الكبرى. إن احتراق القلب على امتداد عقد ونصف لم يكن نتاج الرصاص وحده، بل كان نتاج التجاهل العالمي لصوت الألم “العادي” وغير المثير للدهشة التلفزيونية.
تقول إحدى الشهادات التي رصدناها في سياق الدعم النفسي: «لا أحد يسألنا كيف نمضي ليلنا بعد أن تنطفئ الشاشات. يظنون أننا اعتدنا الوجع، لكن الوجع السوري لا يُعتاد، هو نارٌ تآكلت معها أكبادنا بصمت. نحن لا نريد تماثيل، نريد فقط أن يُعترف بأننا بشرٌ تعبنا من البطولة القسرية». هذه الصرخة تختصر مأساة “المغيبين” عن المراسيم، الذين لم تُرفع صورهم في الساحات، لكن صور جراحهم محفورة في ذاكرة كل جدار سوري. إن هؤلاء يمثلون “الصمود الصغير”؛ ذلك الصمود الذي يتجلى في التمسك بالقيم والتقاليد والترابط الأسري في زمن السيولة والضياع.
إن نقدنا لثقافة الإبهار لا يعني بأي حال التقليل من تضحيات أحد، بل هو دعوة لرفع الحجاب عن “الصخب الحقيقي” للمعاناة اليومية. فالاحتفالات العسكرية والخطابات الرنانة غالباً ما تُستخدم كغطاء يحجب التصدعات العميقة في البنية الاجتماعية والنفسية. حين نصنع من البارودة “فولكلوراً” بصرياً، فنحن نساهم في “تطبيع” المأساة، وجعلها مادة للاستهلاك لا موضوعاً للتأمل والترميم. الاعتراف بالهزيمة النفسية، وبالاحتراق الداخلي، وبالحاجة للبكاء، هو جزء لا يتجزأ من النصر الأخلاقي. فالإنسان الذي يعترف بضعفه وبثقل ما حمله على كاهله هو إنسان يستعيد كرامته من بين أنياب التجريد.
دعونا نتأمل في قصص النساء اللاتي غزلن من بقايا الخيام ثياباً لكرامة أطفالهن، وفي الرجال الذين فقدوا حاسة السمع للطبيعة ولم يعودوا يميزون سوى أصوات الفقد، وفي المرضى الذين ماتوا بصمت لأن “قصتهم” لم تكن جاذبة للتمويل الإعلامي، وإلى كثيرين ما زال الرجوع إلى ديارهم المهدَّمة مؤجَّلًا، هؤلاء هم حراس الحقيقة السورية. إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة لغة تليق بهذا الوجع؛ لغة لا تكتفي بوصف الدم، بل تصف غصة الحلق، وحرقة الصدر، والرماد الذي يسكن العيون.
إن استعادة الذاكرة لا تعني اجترار الآلام، بل تعني إنصاف أولئك الذين صمدوا بـ “أدوات إنسانية” بسيطة. النضال السوري ليس ماراثوناً للقوة، هو ملحمة في الصبر الوجودي. ولكي يكتمل نصر هذا الإنسان، لا بد من “الاعتراف” بفرادة مأساته بعيداً عن حشود السلاح. لِمَ لا يكون الاعتراف بوجعنا هو أولى خطوات شفائنا؟ ولِمَ لا تكون الحقيقة الإنسانية هي السلاح الأخير الذي لا ينكسر؟
في الختام، إن سوريا التي نحلم بها ليست مجرد خارطة رُممت حدودها، إنما إنسانٌ رُممت روحه. إن قصص النضال الحقيقية هي تلك التي تُحكى بهمس في غرف المكلومين، حيث الكبد يشتعل بصمت والقلب يقتات على الأمل المُرّ. لنتذكر دائماً أن ما يتبقى بعد انطفاء المدافع هو رماد الروح، وهو الرماد الذي يجب أن ننفخ فيه برفق لنستعيد ملامحنا البشرية.
الاعتراف بآلامنا ليس انكساراً، هو فعلُ حبٍّ أخير تجاه أنفسنا وتجاه التاريخ. فالنصر الذي لا يبدأ بالإنسان، ينتهي بالعدم؛ واللغة التي لا تتسع لدموع الصامتين، هي لغةٌ خرساء مهما علا ضجيجها. لنمضِ نحو المستقبل بقلوبٍ محترقة ولكن بذاكرةٍ تأبى التزييف، ففي ثنايا هذا الوجع يكمن المعنى الوحيد لكوننا، وما زلنا، سوريين.
____________________________________
- مختص في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي