العربي الآن

تشابكات النفوذ: علاقة حماس وإيران وقطر ودور قناة الجزيرة في تسويق الوهم

رودي حسو – العربي القديم

في السنوات الأخيرة، تعقدت المشهد السياسي في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ، حيث أثرت التحالفات الدولية والإقليمية على تطورات الأحداث. واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا هي علاقة حركة حماس بإيران، وما يشاع عن محاولات إيرانية لتجنيد الفلسطينيين وتشييعهم، فضلًا عن الدور الذي تلعبه القوى الغربية في هذا السياق.

الدعم الإيراني لحماس

تحافظ إيران على علاقات قوية ومتينة مع حركة حماس، حيث تشكل هذه العلاقة جزءًا من استراتيجية طهران لتعزيز نفوذها الإقليمي. من خلال تقديم الدعم المالي والعسكري لحماس، تسعى إيران إلى تحقيق أهدافها الجيوسياسية، مستفيدة من القضايا الفلسطينية كواجهة لتبرير تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول العربية…. ناهيك عن عملية التمدد الشيعي ومحاولة تغيير عقيدة الأكثرية السنية، إذ تتهم إيران بالسعي إلى نشر المذهب الشيعي في الدول السنية، ومحاولة تجنيد الفلسطينيين كجزء من مشروع أوسع لتوسيع نفوذها الديني والسياسي. تُشير بعض التقارير إلى محاولات إيرانية لتشييع عناصر من المقاومة الفلسطينية، في محاولة لخلق ولاءات جديدة تتماشى مع مشاريعها الإقليمية.

الدور الغربي

في هذا السياق المعقد، تلعب القوى الغربية دوراً محورياً. من خلال ترويج صورة لإيران وحلفائها كأعداء افتراضيين، تسعى هذه القوى إلى تبرير تدخلاتها في الشرق الأوسط. استخدام هذا العداء الظاهري مع إيران وحزب الله كذريعة لزعزعة استقرار المنطقة يمكنهم من تحقيق أهدافهم الاستراتيجية والسيطرية.

في الصراعات المستمرة بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، تشكل الهجمات المتبادلة والتحركات العسكرية جزءًا من “لعبة القط والفأر” التي تورطت فيها مختلف الأطراف. إيران وإسرائيل، بلعب هذه اللعبة، تساهمان في زيادة التوترات وإثارة الفوضى التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الفلسطينيين واستقرار دول الخليج.

يشكل تهديدات أو إطلاق الصواريخ الإيرانية على تل أبيب، على سبيل المثال، جزءًا من تلك اللعبة الاستفزازية. حتى لو تمكنت إيران من توجيه ضربات لإسرائيل، فإن هذه التحركات غالباً ما تُستخدم كذريعة لردود فعل إسرائيلية عنيفة. الطائرات الإسرائيلية لا تكتفي عادةً بالرد بضربات متكافئة، بل تسعى لتدمير المزيد من البنية التحتية والأحياء السكنية في المناطق الفلسطينية إضافة إلى المناطق الحدودية السورية وأحيانا داخل غالبا ماتكون ضحايا مدنيين أو أحيانًا عسكريين لأضفاء الشرعية كأظهار على العداء لحفظ ماء وجههم ، ما يتسبب في معاناة إنسانية إضافية.

هذه الديناميكية تُحوّل الفلسطينيين إلى ضحايا في هذا الصراع الإقليمي. تُستخدم الهجمات الصاروخية الإيرانية كأساس لتبرير هجمات جوية إسرائيلية قد تكون ذات طبيعة تدميرية واسعة، حيث يهدف ذلك إلى سحق البنية التحتية، وذلك على حساب المدنيين الذين يعيشون في تلك المناطق.

 دور الولايات المتحدة

تلعب الولايات المتحدة دورًا حيويًا في هذه اللعبة، حيث تُستخدم التوترات كمبرر لتقديم المزيد من الدعم العسكري واللوجستي لإسرائيل. يتم تسويق هذا الدعم للجمهور الأمريكي والدولي كخطوة ضرورية لمواجهة “التهديد الإيراني المتطرف”. في هذا السياق، تُضحى بمصالح دول الخليج وتضاف أعباء جديدة على تلك الدول من خلال الحروب بالوكالة والتوترات المستمرة.

الخطر على دول الخليج

تزيد هذه الأوضاع من الضغوط على دول الخليج التي تجد نفسها مضطرة لدعم المواقف الأمريكية والإسرائيلية أحيانًا خوفًا من التهديد الإيراني. تقدم الدول الخليجية في كثير من الأحيان موارد مالية ودبلوماسية لدعم هذه التحالفات، مما يثقل كاهلها ويُحوّل انتباهها عن القضايا الأخرى الملحة.

لا يمكن تجاهل الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفوضى المستمرة. التدخلات العسكرية المتكررة تستنزف الموارد التي يمكن توجيهها نحو التنمية والبناء الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، تعميم العداء والعدوة يخلق بيئة غير مستقرة تزيد من تحديات الفقر والبطالة وتحرض على التطرف.

تشكل لعبة القط والفأر بين إيران وإسرائيل جزءًا من استراتيجية واسعة تستغلها القوى الكبرى لتحقيق أهدافها الخاصة. الضحية الأكبر في هذا الصراع هم المدنيون الفلسطينيون ودول الخليج التي تتحمل وطأة العواقب الاقتصادية والاجتماعية. هذه الديناميكية المستمرة تعقد الأوضاع الإقليمية وتعمق من حالة الفوضى وعدم الاستقرار.

إن فهم هذه اللعبة بكافة أبعادها يساعد على إدراك التحديات التي تواجه المنطقة والعمل على إيجاد حلول تركز على الحد من التوترات والتحركات العسكرية الهدامة، وتوجيه الجهود نحو تعزيز الاستقرار والتنمية للمنطقة برمتها.

تناقضات واستغلال سياسي

يكمن التناقض في أن القوى الغربية، التي تقدم نفسها كمدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تتغاضى في كثير من الأحيان عن الانتهاكات التي ترتكبها الحكومات التي تدعمها في المنطقة. الهدف الأساسي هو الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، حتى وإن كان ذلك يعني تأجيج الصراعات الطائفية وتعميق الانقسامات بين المسلمين.

مشروع الهيمنة الإيرانية المدعوم دوليًا وقطرياً

يبقى المشروع الإيراني لتوسيع الهيمنة في المنطقة واحدًا من الأبرز والأكثر تعقيدًا. الدعم الدولي – سواء كان مباشرًا أو غير مباشر – لهذا المشروع يزيد من تعقيد المشهد. إيران تستغل الفراغات في السلطة والخلافات الداخلية لبناء نفوذها، مستفيدة من الدعم الروسي والصيني أحيانًا، فضلًا عن تباين المواقف الغربية التي تساعدها بشكل غير مباشر.

دور قطر في دعم إيران وميليشياتها

تُعتبر قطر لاعبًا مهمًا في المشهد الإقليمي، حيث تُقدّم دعمًا لإيران وميليشياتها في أكثر من سياق. يكتسب هذا الدعم أهمية خاصة نظرًا لتقلبات السياسة الدولية، حيث تستفيد طهران من هذا التعاون في بناء نفوذها وزيادة تأثيرها في المنطقة.

تعمل قطر على تقديم دعم مالي وسياسي للإيرانيين وميليشياتهم، خاصة أولئك المرتبطين بحركة “الحشد الشعبي” في العراق وحزب الله في لبنان والحوثي في اليمن. تسهم هذه المساعدات في تمويل الأنشطة العسكرية والسياسية لتلك الجماعات، مما يعزز من القدرات الاستراتيجية لإيران في المنطقة. تعتبر هذه العلاقة بمثابة تحالف غير رسمي، حيث تسعى قطر لتحقيق أهدافها الإقليمية من خلال تعزيز دور إيران كقوة رئيسية في الصراعات بالشرق الأوسط.

 نشر ثقافة التشيع

رغم احتدام التوتر بين القوى الدولية، تُظهر بعض الدول الكبرى تساهلاً في النظر إلى الدعم القطري لإيران وأولها الولايات المتحدةالأمريكية التي يهمها بقاء إيران كعنصر توتر وابتزاز في المنطقة.

التعاون القطري لإيران يؤثر بشكل مباشر على استقرار دول الخليج. ويتسبب هذا التعاون في تفاقم المخاوف الأمنية لدى الدول المجاورة، خاصة وأن التوجهات الإيرانية التوسعية تشكل تهديداً للسيادة والأمن. كما يعزز نشر ثقافة التشيع في المناطق التي تتواجد فيها تلك الميليشيات، مما يؤدي إلى زيادة التوترات الطائفية… إذ تُعتبر قطر من الدول التي تدعم نشر ثقافة التشيع عبر القنوات الثقافية والدينية، مستغلة ذلك لتمويل الفعاليات والأنشطة التي تعزز من هذه الثقافة. هذا النوع من الدعم يعكس الرؤية القطرية في تعزيز نفوذها الإقليمي في سياق التعاطف مع إيران. ويتضح أن دور قطر في دعم إيران وميليشياتها يتجاوز الجوانب المالية والسياسية، ليشمل تأثيراً قوياً على الصراع الطائفي واستقرار المنطقة. من خلال هذا التعاون، تُعزز قطر من مكانتها كلاعب رئيسي في السياسات الإقليمية، إلا أن هذا الدور يحمل في طياته مخاطر متعددة، تتطلب انتباهاً خاصاً من دول المنطقة والمجتمع الدولي على حد سواء.

دور قناة الجزيرة

في خضم التوترات والصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تلعب الإعلام القطري ومُعرفاته دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وتوجيهه. واحدة من القنوات الأكثر تأثيراً في هذا السياق هي قناة الجزيرة، التي اتُّهمت مراراً وتكراراً بالترويج الفج لصورة مُضخّمة وغير واقعية لحركة حماس.

تظهر قناة (الجزيرة) بشكل مستمر حركة حماس على أنها قوة مقاومة خارقة قادرة على تحقيق إنجازات هائلة. تحظى حماس بتغطية إعلامية واسعة تتضمن تقارير ميدانية، مقابلات، وبرامج تحليلية تسعى إلى تضخيم قدرتها العسكرية والسياسية. يسعى محللو الجزيرة، بجهود مكثفة، إلى تقديم صورة مثالية لحماس على أنها القوة التي تستطيع مقاومة الاحتلال، والتي تبقى قادرة على إيلام إسرائيل مهما تلقت من ضربات ومهما دمرت بينتها التحتية… لا بل هي قادرة على الوصول إلى “ثقب الأوزون”، في إشارة إلى قدراتهم اللامحدودة.

تستغل قناة الجزيرة تصاعد العواطف والمشاعر الوطنية لدى الجمهور العربي لتسويق هذا السرد المثالي. تنتقي القناة الأخبار والقصص التي تدعم هذه الصورة، متجاهلة أحياناً القضايا والحقائق المعقدة التي تُظهر الجوانب الأخرى لحماس كأداة سياسية تُستخدم لتحقيق أجندات داعميها ومشغليها، لا تطلعات الشعب الفلسطيني.

آلية الإقناع والتضليل

تعتمد الجزيرة على عدة أدوات ووسائل لإقناع الجمهور:

● الاعتماد على العواطف والمشاعر: تغطية حماس باستخدام قصص إنسانية مؤثرة وصور مؤلمة من غزة تثير تعاطف المشاهدين.

● التحليل المنحاز: استغلال المحللين ذوي التوجهات المؤيدة لحماس لتقديم رؤية منحازة تدعم السردية المفروضة وتجيرها لصالح حماس مهما كانت طبيعة أو نتائج الأحداث.

● التكرار والتأكيد: تكرار نفس الرسائل والأفكار بطرق متعددة لتعزيزها في ذهن المشاهد.

المشكلة الأكبر تكمن في أن العديد من الجمهور العربي يعتمدون على مصادر إعلامية محدودة لتشكيل آرائهم، ولا يملكون القدرة أو الرغبة في التدقيق أو متابعة وسائل إعلام أخرى متوازنة. هذا الاستهلاك الإعلامي غير المتوازن يجعلهم ضحية للتضليل الإعلامي الذي يمارسه البعض من خلال قناة الجزيرة.

عواقب وخيمة

تُفضي هذه الصورة المُبالغ فيها إلى نتائج خطيرة، منها:

● تعميق الفجوة بين الحقيقة والخيال: يَعتقد الكثيرون أن حماس تمتلك قدرات تفوق الواقع بكثير.

● إثارة الفوضى وزيادة التوتر: تساهم هذه السرديات في تحفيز المزيد من الصراعات والمواجهات غير المحسوبة.

● إحباط التطلعات الواقعية:يؤدي الانبهار بالإنجازات الخيالية إلى تجاهل الجهود الواقعية والمستدامة لتحقيق التقدم.

 خاتمة

إن التضليل الإعلامي الذي تمارسه بعض الوسائل الإعلامية يؤدي إلى فقدان الجماهير القدرة على التمييز بين الحقائق والأوهام، ما يُفضي في النهاية إلى نتائج كارثية على صعيد الوعي الجماعي وإدارة الصراعات في المنطقة. الشعوب التي لا تتعلم من العبر الماضية تبقى عالقة في دائرة مفرغة من الأوهام وصور وأشكال الهلاك.

يظل الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط مشحوناً بالتحديات والتعقيدات. فهم العلاقة بين حماس وإيران، إضافة إلى الدور الذي تلعبه القوى الغربية، يتطلب تركيزاً دقيقاً يتجاوز السطحية الإعلامية. لا يمكن تجاهل السياق التاريخي والسياسي لهذه العلاقات التي تشكل جزءًا من لعبة الشطرنج الجيوسياسية في المنطقة، والتي يكون فيها الخاسر الأكبر هو الشعوب العربية والإسلامية التي تتحمل عبء هذه الصراعات.

زر الذهاب إلى الأعلى