العربي الآن

بين استحضار التاريخ والاستفادة من التجارب الأخرى: كيف تبنت هيئة تحرير الشام سياسية الجديدة؟

الفوضى الثورية لا تبني دولًا، والنجاح في السلطة يتطلب هيكلة سياسية وإدارية

جميل الشبيب – العربي القديم

لم يكن التحول الذي شهدته هيئة تحرير الشام استثناءً في مسار الحركات الجهادية، بل يمكن اعتباره جزءاً من نمط أوسع تتبعه الحركات الإسلامية السياسية في تعاملها مع السلطة الرافضة لمشاركتها أو الساعية إلى إقصائها. فالتاريخ حافل بأمثلة تثبت أن هذه الحركات غالبًا ما تبدأ بنهج ثوري معارض، ثم تتكيف تدريجياً مع واقع السلطة وفقاً لمتغيرات المرحلة.

الإخوان المسلمون: بين المقاومة والتكيف

من أبرز الأمثلة على ذلك تجربة الإخوان المسلمين في مصر بين عامي 1944 و1954، وهي فترة شهدت تحولات دراماتيكية في سلوك الجماعة. فعندما واجهت حكومة أحمد ماهر والنقراشي قمعًا شديدًا، لجأت بعض أجنحتها إلى استخدام العنف، بينما اعتمدت سياسة التفاوض والمرونة في عهد حكومة النحاس باشا، وفقًا لما سمحت به الظروف السياسية آنذاك.

أما في سوريا، فقد سلك الإخوان نهجاً مماثلاً، لكن مع فارق أساسي؛ حيث ظلوا رافضين لحمل السلاح ضد النظام حتى اندلاع المواجهة المباشرة معهم.

وهذا النهج عادة ما تتبعه الحركات الإسلامية عندما تجد نفسها في مواجهة السلطة، فتلجئ الى خطاب ثوري جهادي يعتمد على فهم الإسلام لمسألة مواجهة السلطة.

من الثورة إلى الحكم: تكرار النمط التاريخي

هذا النمط من التحولات ليس جديداً، بل يمكن تتبعه في تجارب أقدم، مثل الدولة الأموية في الأندلس والدولة العباسية في بغداد. فقد بدأت كلتا الحركتين كثورات مسلحة ضد الأنظمة القائمة، ولكن بعد نجاحهما في إسقاط الحكم السابق، تحولتا إلى أنظمة دولية مستقرة، متخلية تدريجياً عن خطابها الثوري الأولي لصالح بناء هياكل سلطوية واضحة.

حتى خارج الإطار الإسلامي، نجد نماذج مشابهة، مثل التجربة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو، الذي بدأ كقائد ثوري مسلح ضد نظام باتيستا، لكنه، بعد استلامه الحكم، اعتمد سياسات الدولة المركزية وتخلى عن ممارساته الثورية لصالح إدارة الدولة بقبضة سلطوية.

التجربة السورية: بين الثورة والسياسة

اليوم، تشهد الفصائل الثورية السورية تحولات مشابهة، حيث أدركت أن الفوضى الثورية لا تبني دولًا، وأن النجاح في السلطة يتطلب هيكلة سياسية وإدارية، مما أدى إلى إعادة النظر في استراتيجياتها. ومع سقوط نظام الأسد، وجدت هذه الفصائل نفسها في مواجهة تحدي الحكم والإدارة، ما دفع بعضها، ومن بينها هيئة تحرير الشام، إلى التخلي عن الخطاب الجهادي المتشدد، والانخراط في ديناميكيات الحكم، تمامًا كما فعلت حركات إسلامية أخرى عبر التاريخ.

وتظهر هذه الحالات أن الحركات الإسلامية السياسية غالبًا ما تمر بثلاث مراحل: المعارضة الثورية، التكيف السياسي، ثم التحول إلى النظام والسلطة. وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستستمر هيئة تحرير الشام في مسار التكيف السياسي؟ أم أنها ستواجه تحديات تدفعها إلى إعادة النظر في استراتيجيتها؟

زر الذهاب إلى الأعلى