فنون وآداب

زمن عبد السلام العجيلي: ذكرى….. وحسرة غياب

 الاثنان مختلفان في الرأي السياسي إلا أنهما تلاقيا في الحياة والحوار وصون قيم العشرة

مصعب الجندي – العربي القديم

مرّت ذكرى رحيل الأديب  د.عبد السلام العجيلي (5/4/2006) لتنبش ذاكرتي حنيناً لرجال تفتقدهم سوريا أكثر من أي وقت مضى، ومهما كانت السرديات حولهم سلباً أو إيجاباً بعضها كما نتندّر حين نصف زمنهم بـ “الزمن الجميل” رغم أنها أيام فيها قسوة وخلافات وانقلابات وسيطرة قوى على أخرى، وغياب مشاريع، والقفز فوقها إلى القومي أو الأممي، داخل حدود الوطن السوري حتى الاختناق، أو خارجها وصولاً للتماهي مع آخر قريب أو بعيد. هي طبيعة المرحلة التي مازلنا نعاني إرهاصاتها، ورغم ذلك يبقى الزمن جميلاً لوجود رجال كانوا وإن اختلفوا في السياسة والعقائد يلتقون في الحياة والمحبة، هذا اللقاء الذي يجب أن يكون الأصل في كل حوار باتجاه بناء وطن.

واقعة تفرض الأمانة لذاك الزمن أن تروى: مع قيام الوحدة عام 1958 اختير الراحل سامي الجندي عضواً في مجلس الأمة ومديراً للدعاية والأنباء في الإقليم الشمالي وهو موقع بمثابة وزير إعلام في الإقليم. لم تستمر الحالة طويلاً وكانت حركة الانفصال، وحينها كُلف الدكتور عبد السلام العجيلي بوزارة الثقافة، ومع اشتداد الصراع بين الوحدويين والانفصاليين أُودع الراحل سامي الجندي الوحدوي سجن المزّة.

روت لنا حرم سامي الجندي واقعة تبقى ذكرى ومثال: خلال زيارة لزوجها في سجن المزة لاحظت أن الراحل الجندي لم يتمكن من أن يُجلس شقيقي الأصغر في حضنه وهو بعمر 4 سنوات عدا حاجته لمساعدة خلال جلوسه ووقوفه لإصابة عموده الفقري ب (ديسك انقراص فقرات حادّ)، لم تحتمل المنظر وغادرت السجن باتجاه وزارة الثقافة، ولم يتأخر الوزير العجيلي لمقابلتها، كانت قاسية بحديثها معه: “كيف تجلس هنا في مكتبك وصديقك مريض في السجن”، لم ينطق الأديب الوزير بكلمة… لكنه استأذن ضيفته بمغادرة مكتبه… ومضى.

 لا تعرف حرم الدكتور الجندي إلى أين توجه: هل هو رئيس الجمهورية أم الوزارة أم وزير الداخلية…؟ لكن في اليوم التالي علمت بنقل زوجها إلى مشفى السجن بغرفة مستقلة وعناية طبية مستمرّة حتى أن بقاءه في السجن لم يطل، وأُطلق سراحه رغم أن تهمة التوقيف كانت شديدة.

 الاثنان مختلفان في الرأي السياسي إلا أنهما تلاقيا في الحياة والحوار وصون قيم العشرة، وللأمانة هنا: الاثنان عروبيان كلٌ في اتجاه. واستمرا في اللقاء وعندما يختلفان، يتبادلان العبارات الساخرة والطرائف اللطيفة. كانا نموذجا من رجال نفتقدهم على أخطائهم.

حين وفاة والدي الدكتور سامي الجندي اواخر عام 1995 أرسل العجيلي برقية تعزية، وبعدها زار دارنا معزياً…. ثم أرسل لي رسالته التي أعتز فيها.

لروحه النقية الطاهرة الرحمة والسلام…. ولسورية الجميلة طول البقاء.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى