العالِم السوري الفيزيائي فؤاد الصعيدي: عبقرية فذّة صدمت السوريين برحيلها المبكر

بقلم: ناصر الحموي.
* حقق قفزات بحثية كبيرة، وحصل على الدكتوراه في الطاقة الإشعاعية
* التحق بجامعة ماريلاند عام 1963، ليدير بحثاً علمياً حول الأقمار الصناعية
لا تختلف حياة هذا العالم الفيزيائي، عن غيره من العلماء في عصرنا الحديث، لكن في قصة رحيله المبكر حكاية حزن تفترش القلوب، وتقيم فيها، ولا تغادرها أو تبرحها، وفي جبلة المدينة التي أنجبته، وشهدت ولادته عام 1934 ، لا يزال اسم العالم الفذّ، والنابغة الفريد فؤاد الصعيدي كالقنديل المضاء، يلهم الشباب والأجيال، ويضيء دروبهم بنور العلم، والبحث العلمي، فهما جناحا التحليق إلى مستقبل مشرق زاهر، والسبيل الأمثل للالتحاق بمستجدات العصر، كما يحفزهم على الإبداع والابتكار، وتقديم الأفضل عبر التزوّد بالعلوم الحديثة، وامتشاق أهمّ أسلحة، وأدوات العصر في صنع التقدّم والازدهار، وصياغة الحاضر والمستقبل .
فقد كان العالم البارز العبقري والمتميز فؤاد الصعيدي متفوقاً، منذ طفولته وحداثته في جميع دروسه ومقرراته، حتى إذا ما انتقل لدراسة المرحلتين الإعدادية والثانوية في ثانوية جبلة (مدرسة الشهيد محمد سعيد يونس) التي تأسست في عهد الرئيس الراحل شكري القوَّتلي، ظهرت عليه إمارات النبوغ، وخاصة في المواد العلمية كالجبر، والهندسة والفيزياء، والكيمياء، والعلوم، وحقّق فيها تفوقاً لافتاً بدرجة امتياز .
التحق العالم فؤاد الصعيدي بصفوف الكلية الملكيّة للعلوم والتكنولوجيا، والطب في بريطانيا، وتخرّج عام 1956 متخصصاً في مجال الفيزياء، وحقق خلال دراسته الجامعية قفزات كبيرة، وإنجازات بحثية متنوعة، ليحصل على شهادة الدكتوراه من نفس الكلية، في مجال الطاقة الإشعاعية.
فور حصوله على شهادته العلمية العليا، عاد الدكتور فؤاد إلى سوريا، ليردّ الجميل للوطن المعطاء، ويسهم بدوره، وعلمه، وتخصصه في تطوير بلده، ومجتمعه وتحديثه، وينهض بالعلم والتعليم حاملاً مشعل الحضارة التي تقوم على مرتكزات البحث العلمي، والإبداع الفني والأدبي، مثلما تقوم على مرتكزات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تمّ تعيينه مديراً للبحث العملي والتقني.
لم يتوقف طموح الفتى صاحب العقل الراجح، والموهبة المشعّة، فطموحه الوثّاب المتوهّج كي يزيد من أبحاثه ودراساته حول الفيزياء دفعه مرة أخرى، لتطوير قدراته وعلومه ومعارفه، فغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1963 حيث كانت تلك البلاد منارة العلم والابتكار، وكان كلّ مخترعي، وعلماء العالم يتسابقون إليها، ليوسّعوا مداركهم، ويزيدوا من خبراتهم، حيث التحق د. الصعيدي بجامعة ماريلاند، ليكمل مسيرته العلمية والمهنية، ويدير بحثاً علمياً في أروقتها ومختبراتها ومعاملها، حول الأقمار الصناعية في مجال الإشعاعات، ويحصد بسخاء ما يكتنزه بيدر علومها وأبحاثها العلمية، وهو ما أنتج منه قامة علمية عملاقة، في ميدان تخصصه العلمي، ليعود مجدداً إلى الوطن، رافضاً أرفع المناصب العلمية التي عُرضت عليه، لينضم إلى كوكبة من فرسان العلم والفكر، والنابغين في ميادين المعرفة، المتميزين بعطائهم، وإبداعاتهم وإسهاماتهم التي عملت على تعزيز صدارة سوريا، في مسيرة التقدّم الإنساني.
بعد عودته إلى سوريا عام 1969 ، عُيّن العالم الفيزيائي فؤاد الصعيدي سكرتيراً للجنة الوطنية لـ IAMAP ومثّل بلده كعضو في لجنة العلوم الجوية، وكذلك عضواً في الجمعية الإقليمية العاملة على الإشعاع، كما كان في الوقت نفسه أستاذاً محاضراً في جامعة حلب.
شكّل رحيله المفاجىء عام 1969 عن عمر ناهز 35 عاماً، صدمة كبيرة، وخسارة فادحة في مدينة جبلة، وسوريا والوطن العربي والعالم، وعلى الرغم من كل الأقاويل والتفسيرات والتحليلات، للظروف الغامضة التي رافقت وفاته، إلا أن المساحة الزمنية القصيرة لمسيرة العالم الفيزيائي فؤاد الصعيدي تميّزت بالعطاء والإبداع، وكان الكثير من المراقبين والمتابعين لمسيرته المباركة يتوقّع أن يصبح أحد العلماء البارزين الذين سيسهمون في ركب الحضارة الإنسانية، فقد عمل بجدّ وصدق وإخلاص، على خدمة وطنه، وقدّم عصارة علمه، وفكره وتحصيله وأبحاثه ودراساته، في سبيل رقيه ونهضته، فكان من نخبة أبناء سوريا الأوفياء الذين تميّزوا بإبداعهم وعطائهم.
رحم الله العالم الفيزيائي الفذّ الخالد فؤاد الصعيدي الذي تفانى في دراساته وبحوثه، وأضاف بفكره وعلمه الكثير من الإنجازات، وكان يمتلك رؤية علمية ومعرفية، وقدرة على التحديق بالماضي، والإحاطة بالحاضر وقراءة المستقبل، وكان جلّ همّه أن يساهم في بناء نهضة وطنه، ويحلم في أن يرى هذا الوطن يرفل في عزّة ومجد وإباء.
من مقالات العدد الرابع من صحيفة (العربي القديم) تشرين الأول/ أكتوبر 2023