مسلسل (تحت الأرض-موسم حار): بيئة شامية عن صراعات التجار والسياسة
قصص دمشق، مطلع القرن العشرين، المليئة بالصراع على النفوذ بين تجار تلك الحقبة الزمنية،

تعد الدراما من أكثر الوسائط الفنية قدرةً على تحليل وتحويل الواقع إلى مادة بصرية قادرة على إثارة الوعي وإنتاج المعنى بصورة مؤثرة. لذلك يعتبر مسلسل (تحت الأرض_ موسم حار) للمخرج مضر إبراهيم تجربة درامية سورية يمكن وصفها بأنها ذات طابع توثيقي سياس إلى حد كبير… في زمن لم تعد تهتم في الدراما السورية عموما بأمانة التوثيق بقدر ما تنساق وراء الفبركة والتخيلات التاريخية الساذجة التي لا تستند لأساس.
الحدث الدرامي
تدور أحداث المسلسل في مدينة دمشق، مطلع القرن العشرين، وتحديداً عام 1900، ويحكي قصصاً اجتماعية مليئة بالصراع على النفوذ بين تجار تلك الحقبة الزمنية، كما لا يخلو العمل من التشويق الذي يشد المشاهدين إليه. وتتمحور الأحداث حول إحدى العائلات التي تتحكم بتجارة التبغ، وتفرض شروطها على المنافسين، قبل أن تجد نفسها في صراع مع منافس قوي جداً يهدد مكانتها في السوق.
ومسلسل “تحت الأرض” من بطولة: سامر المصري، ومكسيم خليل، وفايز قزق، ولجين إسماعيل وكارمن لبس، ولين غرة، وروزينا لادقاني، وغيرهم من نجوم الدراما السورية واللبنانية.

صورة بيئة مختلفة
إن المسلسل يصنف ضمن أعمال البيئة الشامية التي باتت كارثة على دمشق وثقافتها في السنوات الأخيرة، لكنه مختلفٌ تماماً عن كل ما قدم سابقاً، فهي بيئة لم يرها الجمهور من قبل، تحكي عن الطبقة الثرية وأغنياء الشام في تلك الحقبة الزمنية، خاصة التجار منهم، والمنافسات والصراعات التي تدور بينهم، كما أنها تتطرق للعلاقات العائلية. ويبين للمشاهد كيف كان الاحترام سائداً في العائلات السورية، خاصة علاقة الأب بأبنائه، وينقل للمتابعين قيماً عرفت منذ زمن بكل المسلسلات الشامية، وهي أمور أحبها الجمهور بشكل كبير، ولطالما برهنت على قربها منه.
أن هنالك عوامل نجاح كثيرة، اجتمعت في المسلسل كالنص القوي، والتصوير المختلف مؤكداً العمل؛ أنه ينقل صورة مختلفة لم يعتدها المشاهدون من قبل، وقد عمل عليها عدد كبير من أصحاب الخبرات في الوطن العربي والعالم. لا يعد العمل جديداً بقصته وصورته فقط، بل على مستوى الإخراج والتكنيك أيضاً، ما يمنح المشاهدين جرعة كبيرة من التشويق.
الأساليب الإخراجية
في جانب اللغة البصرية وأسلوبية الإخراج يوظف المخرج مضر إبراهيم مجموعة من الأساليب الإخراجية التي تعزز من التأثير العاطفي والمعرفي للمسلسل. إذ يعتمد على “التصوير اليدوي” (Handheld Camera) في بعض المشاهد لنقل الشعور بالتوتر وعدم الاستقرار، ويستخدم الإضاءة الطبيعية لتعزيز الواقعية، مما يجعل المشاهد أكثر انغماسًا في التجربة الدرامية. إضافةً إلى ذلك فإن توظيف الصمت كمكون دلالي في لحظات معينة، يعكس حجم المأساة، ويتيح للمشاهد استيعاب عمق الأزمة دون الحاجة إلى المبالغة في الحوار أو الموسيقى المصاحبة. يعتمد المسلسل على بنية سردية تستلهم تقنية “الواقعية التسجيلية” (Documentary Realism)، حيث تصبح المواقع الطبيعية بديلاً عن الديكورات المصطنعة، ما يعزز من موثوقية المشاهد ويزيد من قوة الخطاب الدرامي.
الإبراهيم نجح في استخدام تقنيات التصوير المبتكرة والاعتماد على الإضاءة، مما منح المسلسل مظهرًا مؤثرًا يعكس الحالة النفسية لشخصياته. كما تميز بقدرته الفائقة على توظيف الصمت في بعض المشاهد، ما جعل المشاهد أكثر تأثيرًا وأعمق في إيصال المشاعر. الإبراهيم بتوجيهه البارع للممثلين واختياره الدقيق للمواقع التي تم فيها التصوير، نجح في تقديم تجربة درامية تلامس الواقع السوري وتعرض معاناة الناس ضمن سرد حكائي لا يخلو من صراع متوتر يستعير مفردات البيئة الشامية المكرسة دراميا ويتكئ عليها.
قدرة فائقة
من أبرز الممثلين في المسلسل الفنان مكسيم خليل الذي أبدع في تقديم دور الشخصية التي تعكس ملامح المعاناة الإنسانية. فبأسلوبه الفطري وقدرته الفائقة على تجسيد الألم والتوتر الداخلي، جعل الجمهور يتفاعل بشكل عميق مع الأحداث. إلى جانبه تميز لجين إسماعيل لذي قدم أداءً قوياً في تجسيد شخصية تقاوم الظلم وتبحث عن الأمل في وسط الفوضى، مما أضاف بُعدًا إنسانيًا للمسلسل. كما كانت لين غرة؛ بكلماتها المعبرة وتفاعلها الجسدي مع الأحداث، إحدى أبرز الشخصيات النسائية في العمل.
* صحافي وناقد سوري