نصوص أدبية | كيف نعيش الحياة بنصف قلب يا أبي؟

مريم الإبراهيم – العربي القديم
هي ثماني سنوات عجاف، لم يغاث قلبي بعدها منذ إن رحل عني أبي، رحل تاركاً في قلبي فراغا لا يملؤه أحد غيره. لقد كانت اللحظة التي علمت فيها بوفاته، أشبه بسكين حاد مزق وجداني وأحلامي دفعة واحدة، لم يكن رحيله مجرد حدث أو حالة وفاة مقرب، بل كان نقطة تحوّل. إنها نهاية لعالم كنتُ أعرفه، وبداية لعالم جديد يمتلئ بالمعاناة والضياع.
كأنه الأمس
أذكر ذلك اليوم كأنه الأمس، حين كنت أستعد بفرح لتزيين العروس، وكان قلبي مثقلًا بشيء لم أستطع تفسيره، وعندما عاد أبي إلى المنزل بعد غياب، شعرت بلهفة غريبة لأحتضنه وأقبل يديه، وكأنني كنت أودعه للمرة الأخيرة، لم أكن أعلم وقتها أنني لن أراه مرة أخرى، وهو على قيد الحياة.
كأن جرحا عميقا في روحي لا يلتئم. لا أستطيع نسيان تفاصيل تلك الليلة التي فجعت فيها بخبر وفاته، كان يوماً يحمل في طياته فرحةً وبهجةً بتحضير عروس لأخي، وها هو ينقلب إلى يوم أسود ملطخ بالدموع والآلام، لم أكن أعلم وقتها أن شعوري بالضيق منذ الصباح كان إشارة لما سيحدث، لكنني تجاهلت ذلك الشعور، حتى أتت الصدمة الكبرى.
حين تلقيت الخبر في تلك الليلة، لم أصدق ما سمعت، وبدأت أصرخ من أعماق قلبي: “أبي، لماذا تركتنا؟ لماذا ذهبت؟” لقد كانت لحظة انهيار تام بالنسبة لي، لم أستطع أن أتحمل فكرة أن أبي قد رحل إلى الأبد، وأنني لن أسمع صوته ولن أشعر بدفء يديه مرة أخرى، دخلت الغرفة التي وضع فيها جسده، كان مغطى بالدماء، ولم أتمكن من التعرف على ملامحه؟ لقد شوهته ملامحه.

كان الشيخ نادر الإبراهيم من كبار علماء حماة. درس بالأزهر في مصر ٨ سنوات، فحصل على ماجستير في الشريعة ودبلوم لغة عربية.
اعتقله نظام حافظ الأسد إثر مجزرة 19٨٢ مدة أربعة شهور بتهمة الانتماء لجماعة الاخوان المسلمين. خلال الاعتقال تعرص للضرب والتعذيب القاسي. وإمعاناً في التشفي حرقوا له دقنه لأنه كان إمام مسجد… لكنه غدا قدوة وشيخاً لنا للكثير من أبناء محافظته وبلدته.
ظله الثقيل يرافقني
هي ثماني سنوات منذ أن غاب والدي عن حياتنا، وما زال الألم يرافقنا كأنه لم يرحل سوى البارحة، كانت صدمة رحيله قاسيةً جداً علينا وتركت في داخل كل منا جرحاً لا يلتئم، كل يوم أعيش تفاصيل هذا الفقدان، أحمله معي أينما ذهبت، وأشعر بظله الثقيل يرافقني في كل لحظة.
في تلك اللحظة التي لا تنسى، نظرت إليه لأول مرة، نظرة حملت في طياتها كل حب الدنيا، كنت بجانبه، أستنشقت عبق عطري المفضل الذي امتزج برائحة جسده الفريدة، لم يكن مجرد عطر عابر، بل كان جزءاً منه، جزءاً من ذاكرة لا تُمحى. رأيت الدماء التي غمرت وجهه، تلك القطرات الحمراء التي رسمت على وجنتيه، عينيه، وشفتاه، كانت تلك الأقدام التي لطالما سعت للخير، لمن عرف ولمن لم يعرف، وقد سكنت إلى الأبد، والساق التي حملنا عليه لتحقيق أحلامنا، كسرت على ذلك الحادث، ولم تعد كما كانت تحملني وتحمل أخواتي وتحمل غيرنا الكثير.
قلبي توقف عن النبض وهو بين يدي، رفضت تصديق أنه قد هدأ ورحل، كانت ثيابه، التي مزقها الأطباء في المشفى، تحمل روحه، تلك الروح التي شعرت بها قريبة مني، وعندما رأيت الصور التي كان يحملها دائماً في محفظته، تلك الصور التي جمعتنا نحن العشرين، أخوتي وأنا، أدركت لماذا لم ينس أحداً منا، رغم أن الحرب قد فرقتنا وأبعدتنا عن بعضنا البعض، إلا أنه كان يحتفظ بنا بجانب قلبه، في تلك الصور، وكأنه أراد أن يشعر بقربنا في وحدته.
هل يا ترى نحن من تعذب أكثر أم هم؟
توفي والدي، وكان كل واحد منا في مكان بعيد، لم يستطع الجميع من أبنائه أن يلقي نظرة الوداع الأخيرة عليه، أخوتي في أمأكنهم لم يعلموا بوفاته إلا بعد دفنه. بعض أخوتي كانوا هناك، شاهدوا وجهه، ودّعوه بكلمات حملت أوجاع الفراق، سألت أختي الكبيرة: “هل يا ترى نحن من تعذب أكثر أم هم؟ نحن الذين بقينا معه منذ المساء حتى الصباح، وحضرنا مراسم الغسل والتكفن والدفن، أم هم الذين لم يتمكنوا من رؤيته؟” هل الألم واحداً؟ والوجع مشتركاً.
تحدثت معه كثيراً، بيني وبينه، دون أن يسمعنا أحد، من تحت ذلك الغطاء الذي غطوه فيه الذي كان ممتلئ بالدماء انسدلت تحته واحتضنت والدي، أخبرته بكل شيء، حتى بتلك الكلمات التي كنت أخجل من قولها له في حياته، دعوت الله أن يجعلني أول من يلحق به، على الإيمان والتقوى، على الطريق الذي رسمه لنا.
أرى وجهك في وجوه أخوتي
والدي، الشيخ نادر الإبراهيم، كان رجلًا عظيما، نشأ في سهل الغاب، وذهب منذ صغره للالتحاق بطلبة العلم، ورثنا منه الشغف والطموح، القوة والعزم، الرحمة وعدم نكران الجميل، أنجز ما لا يمكن أن ننجزه لو عشنا ألف عمر، كان ولا زال اسمه لقبيلتنا رمزاً، وكان له هيبة يهابها أعتى الرجال. حتى الآن، عندما يرون ملامح أخوتي الرجال، يقولون: “أنت ابن الشيخ نادر، رحمه الله” فتبدأ الذكريات، ذكريات من عرفوه وعرفوا ما كان يفعله، ويقومون بتذكره وشرح تفاصيل وقصص لانعلمها عنه كان قد فعلها وعرفها ربنا والذين شهدو له بها من خير وأحسان.
لقد تركت وراءك قلوبا مكسورة وأفئدة يملؤها الفقد والخذلان، أشعر باليتم رغم رؤية وجهك في وجوه أخوتي، إلا أن لصوتك وقعاً خاصاً، ولنظرتك بريقاً مختلفاً، ولرائحة قهوتك عشق يسري في دمي، رحلتَ وتركتني وحيدة، رغم جميع الأحباء حولي، دموعي التي كانت تحرق مهجتك عندما تراها، جفت، ولم يعد هناك متسع للبكاء سوى عليك، وإليك حتى يوم لقائنا.
أذكر تلك الأيام الأولى بعد رحيله، كانت الدنيا قد انقلبت فجأةً كل شيء أصبح باهتاً وبدون معنى، لم أعد أستطيع الابتسام كما كنت أفعل، وكأن جزءاً من روحي قد فارقني برحيله، كان والدي هو السند الذي أستند عليه في كل شيء، وجوده كان يعطيني الأمان والطمأنينة، ومع رحيله، شعرت بأن الأرض قد زلزلت من تحتي.
في البداية، لم أكن أستوعب ما حدث، رفضت تصديق أنه لم يعد هنا، وأنني لن أسمع صوته مرة أخرى، ولن أراه يبتسم لي كما كان يفعل دائماً، كنت أنتظر عودته في كل لحظة، وكأنني كنت أعيش في حلم سيء وسأستيقظ منه قريباً، لكن…ومع مرور الأيام، بدأت الحقيقة تتسلل إلى قلبي ببطء، وأدركت أن الحياة قد أخذت مني أغلى ما أملك.
كانت اللحظات التي كنت أتذكر فيها أبي هي الأصعب. تلك الذكريات التي كانت تجمعني به، من ضحكات وأحاديث، ومن أوقات مليئة بالدفء والمحبة،كل شيء حولي كان يذكرني به رائحة ملابسه التي كنا نحتفظ بها، ادوات صناعة القهوة خاصته، بقية من كتبه، مسواكه وأقلامه، أصواته المسجلة حتى يومنا هذا على جولات أخوتي، وحتى الأماكن التي كنا نجلس بها معا، شعرت وكأنني أعيش في عالم من الذكريات المؤلمة التي لم أستطع الهروب منها.
بعد مرور السنوات، أدركت أنني لم أفقد فقط والدي، بل فقدت جزءاً كبيراً من نفسي، أصبحت الأيام تمر ببطء شديد، وكأن الحياة توقفت عند تلك اللحظة، كل صباح أستيقظ وأشعر بأنني فقدت شيئًا لا يمكن تعويضه، ولم يكن من السهل علي التأقلم مع هذه الحقيقة، فقد كان علي أن أتعلم كيف أعيش من دونه، كيف أواجه الحياة من دونه، وهذا ما كان وما زال صعبا جدا حتى الآن.
كيف ستكون حياتي لو كان… ما زال هنا؟
أحد أصعب الأمور التي واجهتها بعد رحيله هو الشعور بالوحدة، حتى في وجود العائلة حولي، كنت أشعر بأنني وحيدة، وكأن هناك جزء عميق من الروح قد بتر، لم يكن هناك أحد يمكنه أن يحل مكان والدي في حياتي، لم يكن هناك من يمكنه أن يفهمني ويشعر بي كما كان يفعل هو. كان والدي دائماً الشخص الذي ألجأ إليه في الأوقات الصعبة، والذي يمنحني القوة عندما أكون ضعيفة، ومع غيابه شعرت بأنني فقدت تلك القوة، وبأنني أضعت جزءاً كبيراً من وجودي.
لقد أثر رحيله أيضا على حياتي اليومية، لم أعد أستطيع الاستمتاع بالأشياء كما كنت أفعل سابقا، حتى اللحظات السعيدة كانت تحمل في طياتها شيئاً من الحزن، لأنني كنت أعلم أن والدي ليس هنا ليشاركها معي، كل مرة كنت أحتفل فيها بأي شي أو مناسبة سعيدة، كنت أشعر بأن هناك شيئًا ناقصا، وأن فرحتنا أنا وأخوتي لم تكن كاملة.
على الرغم من مرور تلك سنوات، إلا أن الألم لا يزال حاضراً في حياتي، لقد تعلمت كيف أعيش معه، لكنني لم أتمكن من التغلب عليه، هناك أيام أشعر فيها بأنني أقوى، وأيام أخرى تغمرني فيها الحزن والدموع، وما زلت أشعر بالحنين إلى والدي، إلى وجهه الدافئ، وإلى نصائحه التي كانت تسكن روحي. أحيانا، أجد نفسي أتساءل كيف كانت ستكون حياتي لو كان والدي ما زال هنا، كيف كان سيبدو العالم لو كان موجودا ليشهد كل تلك اللحظات المهمة في حياتي؟ هذه الأسئلة تجعلني أشعر بفراغ كبير في قلبي، فراغ لا يمكن ملؤه.
عانيت بعد رحيله من شعور مستمر بالقلق والخوف من فقدان شخص آخر عزيز علي، تلك التجربة القاسية جعلتني أدرك مدى هشاشة الحياة ومدى القسوة التي يمكن أن تحملها الأيام صرتُ أخشى على أحبائي وأهلي وأبنائي وأقلق بشأنهم بشكل مستمر، فكرة أن أفقد شخصًا آخر بنفس الطريقة تجعلني أعيش في خوف دائم.
ماذا لو كان أبي معي اليوم؟ اليوم تحديداً؟
ماهي ماهية حياتي لو كان أبي ما زال معي؟ كيف كانت ستبدو أيامي؟ هل كنت سأعيش كما أعيش اليوم، محاطة بالقلق والخوف، مثقلة بالحزن والشوق؟ أم أن وجوده كان سيجعل كل شيء أكثر سهولة و أتزان ؟ هذه الأسئلة تراودني في كل لحظة، ولا أجد لها إجابة.
كان أبي رجلاً استثنائياً، لم يكن مجرد أب، بل كان صديقاً وسنداً وقوةً أحتمي بها أنا واخوتي، لم يكن ليسمح لأحد أن يؤذينا، وإذا بكت عيوننا كان سيحرق الأرض تحت أقدام من تسبب في ذلك، أبي كان رجلاً نادراً، واسمه “نادر” كان مناسباً له تماماً، كل من عرفه شعر بأنه لن يتكرر، وأنه رجل صنعته الحياة ليكون قدوة في الحب والقوة والحنان.
كان يعرف قيمتي، كان يراني كما لم يرني أحد من قبل، كنت أسمع في صوته الفخر بي، وكانت نظرته لي تمنحني الثقة التي أحتاجها لأواجه العالم، تلك النظرة التي كانت تمنحني القوة لم تعد موجودة، وكأنني أصبحت نصف إنسانة.
أبي الذي لن يتكرر!
أبي لن يتكرر، وأنا أعلم ذلك جيداً، كان رجلاً نادراً، وسأظل أفتقده كل يوم من حياتي، لكنني أعلم أيضاً أنني سأحاول أن أجعل ذكراه حية في كل ما أفعله، سأعيش بطريقة تجعله فخوراً بي، حتى وإن لم يعد هنا ليقول لي ذلك، سأحاول أن أبره حتى بعد رحيله، بأن أكون الإنسانة التي كان يتمنى أن يراني عليها.
علينا أن ندرك جميعاً قيمة آبائنا وأمهاتنا قبل فوات الأوان، لا يجب أن ننتظر حتى يغلق باب الرحمة برحيل أحدهما أوكلاهما، بل علينا أن نبادر بالإحسان إليهم، وأن نظهر لهم حبنا وامتناننا في كل لحظة، لأنهم يستحقون ذلك، ولأننا نحن بحاجة إلى أن نشعر بأننا قدمنا لهم كل ما نستطيع قبل أن يكون الوقت قد فات.