العربي الآن

 الصناعات الدفاعية في سوريا.. طفرة تقنية وفرصة تاريخية

نحن وحدنا؛ هذه هي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، نحن لسنا أوكرانيا؛ فلا أحد سيتبرع لنا بمئات الدبابات أو الطائرات كما تبرعوا لها.

راني جابر * – العربي القديم

تعيش سوريا في منطقة جغرافية مهمة ومضطربة لم تعرف الهدوء خلال القرنين الماضيين، ولم تتوقف المعارك فيها خلال الفترة الماضية وبمعدل حرب كل خمس سنوات، سواء ضمن الإقليم أو المنطقة، لتكون في حاجة حقيقية لتوفير قدرات عسكرية كبيرة وواسعة ومتنوعة، ومتلائمة مع طيف ممتد من الحروب بين حروب تقليدية ضد دول، إلى حروب غير متماثلة ضد دول أخرى، وصولاً إلى حروب ضد ثورات وإخماد عصيان مناطقي، وعمليات أمنية ومهمات حراسة حدود.

الوضع الاقتصادي الآن في سوريا يفرض أن تكون الأولوية للإصلاح والتنمية، فلا يوجد لحد اللحظة ما يكفي من تمويل لإنفاقه على أساسيات البنية التحتية وعلى رأسها شبكة الكهرباء، سواء قطاع التوليد أو النقل وحتى شبكة الطرق والكثير من المشاكل في البنية التحتية، ما يعني أن عملية التسلح والحصول على أسلحة للجيش والأمن ستكون صعبة ولا تخلو من مشاكل، خاصة مع العقوبات الأمريكية التي حتى لو زالت فالمشكلة لما تحل بعد.

حمل ثقيل

سوريا ليست دولة صغيرة فهي بمساحة 185 ألف كيلو متر مربع، وبحدود طويلة تبلغ حوالي 2500 كيلومتراً، معظمها مساحات مفتوحة صحراوية أو سهلية، وساحل بطول 195 كيلو مترا، وأجزاء محتلة من الأرض في الجنوب الغربي والشمال الشرقي من قبل إسرائيل والميليشيات الإرهابية الكردية المدعومة إيرانياً، وعلى حدودها ميليشيات شيعية تحركها إيران شرقاً وغرباً، وحتى أن دمشق في مدى الصواريخ البالستية للحوثي وداعميه، وإسرائيل في الجنوب الغربي، وأمريكا على مرمى حجر. وعدد سكان سوريا حسب التزايد الطبيعي منذ آخر إحصاء سكاني يجب أن يتجاوز الثلاثين مليون نسمة (لو أهملنا التهجير ومن قتلهم النظام).

مع كل هذه المعطيات إضافة إلى التهديدات الأمنية من دول مثل إيران، نلاحظ الحاجة لجيش وقوات مسلحة وأمن وحرس حدود بحجم كبير في سوريا، يتجاوز عددهم الكلي المليون بين عنصر وضابط، وبين جيش وأمن وشرطة وحرس منشآت وحرس حدود وجمارك.

يحتاج هذا “الجيش” الجرار من العناصر إلى كمية تجهيزات ضخمة جداً في جميع المجالات، من التجهيزات العسكرية والأمنية وصولاً إلى التجهيزات الشخصية للأفراد، بداية من الطائرات النفاثة إلى الجوارب المناسبة للجنود والأحذية، مروراً بالأسلحة الفردية والدبابات والمدفعية والمسيرات والأنظمة المختلفة، والذخيرة وأجهزة الاتصالات والتشويش والستر الواقية من الرصاص، وكاسحات الألغام والعلاجات والوجبات الميدانية وقائمة بعشرات آلاف المنتجات.

فالحرب الحديثة أصبحت تعتمد بشكل أساسي على تقنيات لم تكن معروفة أو منتشرة قبل ثلاثة عقود، ولا يوجد في سوريا أي عتاد حديث حقيقي، وكل ما لدينا قديم جداً ولا يستطيع الدخول في حرب مع دولة متقدمة وخاصة إسرائيل، ما يفرض علينا الحصول على عتاد حديث مناسب للمعركة والوصول من مرحلة الدفاع لمرحلة الردع وثم التفوق، وهو أمر معقد بشكل كبير على مستويات التمويل والموافقة والتدريب والعوائق السياسية والتقنية.

كلفة ضخمة

تكلفة إعادة تسليح الجيش السوري من جديد بسلاح حديث ليصبح بحجم الجيش السابق بناء على كل ما سبق تتجاوز بسهولة المائة وخمسين مليار دولار، لا يوجد في الخزينة العامة منها مليار واحدة، ولا أمل أن يحصل شعبنا على أي مساعدات أو دعم عسكري من أي جهة، وخاصة للتقنيات المتقدمة والأسلحة عالية الفعالية.

كذلك فالحصول على سلاح من دول أخرى سواء هبات أو شراء لن يحل المشكلة، خاصة بعد الفضيحة الأخيرة التي أكدت أن أمريكا قادرة على إيقاف تشغيل أي سلاح تبيعه للدول الأخرى بسهولة، بعد الكثير من الحديث عن قدرة أمريكا على إيقاف طائرات ف35 التي باعتها للعديد من الدول عن بعد، وهو أمر ينطبق على معظم التقنيات العسكرية التي تبيعها هي وغيرها، وما مجزرة “البيجر” عنا ببعيد.

ثورة تقنية

الأسلحة في النهاية هي منتجات تقنية تؤدي وظيفة معينة وتصنع بناء على مواصفات خاصة، حسب حاجة المستخدم أو القوانين والمعاهدات التي ترتبط بها الدولة المستخدمة.

والتحول والطفرة التقنية الكبيرة خلال السنوات العشرين الماضية أدخلت طيفاً هائلاً من التقنيات في القطاع المدني والصناعي، يمكن وبسهولة استخدامها في التطبيقات العسكرية.

بداية بالإلكترونيات المتقدمة، إلى السبائك المعدنية العالية التحمل، وصولاً للمواد المركبة، والبرمجيات عالية الكفاءة وقائمة طويلة جداً من التقنيات.

كذلك توسعت آليات التصنيع التي أصبحت في متناول الجميع، ونستطيع توفير خطوط انتاج مناسبة تتحسن وتزيد جودتها والأفق التقني لها يوماً بعد يوم، ويزيد عدد الموردين لها عبر العالم، بعد التوسع الصيني في إنتاج هذه التجهيزات والمواد والمنافسة القوية بينها وبين باقي دول العالم.

فقبل عشرين عاماً كانت فكرة الحصول على مقدر مدى ليزي أو كاميرا حرارية أو منظار رؤية ليلة شبه مستحيلة للأفراد والشركات الصغيرة، لكن اليوم يمكنك بسهولة شراء هذه المنتجات بسهولة عبر الإنترنت، وحتى الحصول عليها بشكل مناسب للإدماج ضمن منتجات أخرى قابلة للتصنيع حسب الحاجة، سواء من السوق الأوربي أو الصيني.

هذا التوفر الكبير للتقنيات المختلفة سمح بتطور كبير في الصناعات العسكرية بالاعتماد على المنتجات المدنية لتحقيق أهداف عسكرية، خاصة أن المنتجات المدنية حالياً أصبحت عالية الموثوقية والكفاءة وطويلة العمر، بحيث أصبحت الحدود السابقة بين التقنيات العسكرية والمدنية شبه معدومة.

فقبل خمسين عاماً كان الحصول على “جايروسكوب” أو “مقياس تسارع” ثلاثي الأبعاد يعتبر حكراً على القطاع العسكري والمؤسسات العاملة في قطاع الفضاء، لكن اليوم يمكن الحصول عليه بسعر لا يتجاوز 20 دولاراً وبكفاءة أفضل وحجم لا يتجاوز العملة المعدنية (سابقاً كان وزنه عدة كيلو غرامات ويستهلك الكثير من الاستطاعة ليعمل)، ويمكن لطالب ثانوية تجهيز الكثير من المشاريع التقنية باستخدامه بسبب الدعم البرمجي له.

وأصبحت الأمور ميسرة لدرجة أنك لو وفرت الدعم المالي الكافي والتدريب لفريق من طلاب الهندسة؛ فسيكونون قادرين خلال فترة معقولة على تصنيع منتج يكافئ صاروخ “سبايك” الاسرائيلي في الكثير من التفاصيل، و يستطيع تنفيذ نفس المهام وبربع التكلفة، وأكبر مثال هو صاروخ “ألماس” الإيراني الذي أخذ الكثير من الدعاية خلال الحرب الأخيرة التي انتهت بإذلال حزبالة وإيران.

ولم تخلُ الحرب السورية من الكثير من المنتجات المماثلة؛ وعلى رأسها مسيرات “شاهين” التي أنتجت خلال فترة سنوات ما قبل التحرير، وتعتبر مجرد استخدام للتقنيات المتوفرة مدنياً بشكل عسكري.

فرصة تاريخية

الوضع الذي نعيش فيه يفرض عقلية مرنة للتعامل مع المشاكل وتحويلها لفرصة تاريخية، فالحاجة للتجهيزات الدفاعية تفرض على حكومة الجمهورية العربية السورية التعامل بجدية ومرونة مع الموضوع، واتخاذ الخطوات التي تفيد في تسريع حل هذه المشكلة من الجذور.

ولعل أسرع وأكثر هذه الحلول هو السماح للقطاع الخاص بالاستثمار في المجال الدفاعي، وإنشاء شركات لتصنيع المنتجات العسكرية المختلفة، أو التقنيات المتعددة الاستخدامات ما يسمح بتحويلها لتقنيات عسكرية.

فسوريا لا تحتوي أي تشريعات قانونية حول هذا الموضوع، وإيجاد تشريعات تعتبر الشركات والمؤسسات العاملة في القطاع الدفاعي شركات طبيعية لها تصنيف قانوني طبيعي، مع الالتزام بمعايير السلامة والشفافية المالية والتقنية مهمة جداً.

حيث تنظم الدولة علاقة هذه الشركات بالجيش، وتتعاون مع الشركات وتقدم لها العروض للمنتجات التي تحتاجها قواتنا المسلحة، وتجري المناقصات والمسابقات التقنية ما ينتج عنها توفير مبالغ كبيرة جداً على الدولة، والسماح بالتصدير للسوق الخارجية كمصدر للحصول على الأرباح لهذه الشركات ودعم الاقتصاد الوطني.

سوق واعدة

يوجد سوق واعدة للتقنيات العسكرية في جميع المجالاتً في الإقليم والعالم، وخاصة لو استطعنا تقديم منتجات مفيدة وعالية الجودة وبسعر معقول.

فالحالة السورية حالة فريدة لسبب معين؛ هو توفر كميات ضخمة من العتاد من عهد الجيش السابق، ويمكن استثماره كقاعدة أساسية للانطلاق في الصناعات العسكرية في سوريا، بالاعتماد على مشاريع التطوير للعتاد الحالي والتي تفيد جيشنا، وتوفر عليه مبالغ كبيرة. وبدل شراء التجهيزات الجديدة، يمكن تحديث الكثير من التجهيزات لدينا، وخاصة الدبابات والعربات المدرعة والمدفعية والراجمات وحتى الطائرات.

كذلك يوجد الكثير من الدول في العالم تسعى للحصول على أعتدة حديثة بسعر معقول، أو تحديث ما عندها من أعتدة، هنا يمكن أن تكون منتجاتنا وحلولنا ذات تنافسية عالية، إن قدمت لهم بسعر معقول وبجودة عالية كأي منتج تجاري.

فالكثير من الدول لديها أسلحة قديمة ولا تمتلك ما يكفي من المال لشراء أسلحة حديثة، لذلك تنتشر حالياً مشاريع التطوير للاعتدة وتشمل إدماج تقنيات حديثة في أسلحة قديمة لرفع كفاءتها.

حيث يعتبر الاستثمار في تحديث الأعتدة الموجودة لدينا أصلاً من دبابات وطائرات وغيرها فرصة مهمة لتدريب الكوادر الهندسية لدينا، حيث ستقود قطاع الصناعات الدفاعية، وتتحول من مرحلة الصيانة والتطوير إلى مرحلة النسخ وإعادة الإنتاج وصولاً إلى التصميم الكامل والانتاج الخاص بنا.

مشاريع مشتركة

لا شك أن الدولة سيكون لديها مؤسسة مسؤولة عن التصنيع العسكري، وبسبب توسع المجالات والاحتياجات فهذه المؤسسة سوف تكون بحاجة للعديد من الحلول التقنية التي ترغب بإضافتها إلى الأعتدة التي تعمل عليها، وبهدف تسريع التصنيع يمكن إسناد تصنيع الأنظمة الجزئية في المشاريع أو الحلول التقنية إلى الشركات الخاصة في سوريا كما تفعل معظم دول العالم المتفوقة في مجال التصنيع العسكري، وخاصة أمريكا وأوربا والصين.

حيث تحصل الشركات على مرابح من تطوير التقنيات متعددة الاستخدامات، وتصبح أكثر قدرة على التركيز على قطاعات تقنية معينة والتعمق فيها، وتقديم خدماتها التقنية داخل وخارج الدولة بالتنسيق مع وزارة الدفاع.

كليات “صناعات دفاعية”

يمكن كذلك السماح للقطاع الخاص أو الحكومي بفتح كليات هندسية تضمن تدريس التقنيات الهندسية التي تستخدم في القطاع العسكري، ويكون التعليم فيها مراقباً من وزارة الدفاع، والسماح للعسكريين المنشقين عن الجيش وخاصة المختصين في القطاع التقني بالتدريس فيها والمشاركة في وضع المناهج التي تقدم فيها للطلبة، والاستفادة من خبرتهم العملية والتقنية في دفع عجلة التصنيع العسكري في الدولة، ويمكن تشجيع الطلاب في الجامعات للتفكير في حلول خارج الصندوق عبر المسابقات التقنية التي تدعمها الدولة وتشجع فيها على العمل والتطوير والابتكار.

ودعم الشباب وتقديم المنح المالية لهم لفتح شركات صغيرة تعمل على توفير حلول تقنية للمشاكل العسكرية والاستثمار ضمن القطاع الدفاعي بما يؤمن حاجات البلد ويوفر لهم فرصة لتصدير المنتجات المختلفة إلى الدول الأخرى لتوفير التمويل للمشاريع المختلفة عبر الأرباح، وتوفير عناصر مدربة وذات خبرة في المجال التقني تصنع للبلد ما ندافع به عن أنفسنا ويجلب الرخاء لشعبنا.

خلاصة القول نحن وحدنا؛ هذه هي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، نحن لسنا أوكرانيا؛ فلا أحد سيتبرع لنا بألف من الدبابات التي يبلغ سعر الواحدة سبعة أو ثمانية ملايين دولار، ولا مئتين من الطائرات التي يبلغ ثمن الواحدة عشرين إلى ثلاثين مليون دولار عدا التسليح والتدريب، ولا حل أمامنا للدفاع عن أنفسنا إلا العمل الجاد العلمي، والالتجاء لشعبنا ودعمه ليصنع ما يدافع به عن حرمه.

____________________________________________________________

*مهندس وباحث في التقنية العسكرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى