نصوص أدبية || غريبان في يوم بارد
ليته يقترب منها ويلقي التحية، ليته ينظر إليها ويترك لعينيها أن تكملا المهمة

قصة قصيرة: د.لؤي خليل * العربي القديم
هناك عند زاوية حديقة (الهايد بارك) رآها وحيدة، تجلس على المقعد الخشبي بهدوء، تتدلّى ضفيرتها الشقراء بجانب كتفها الأيمن كشلالٍ من مياه ذهبية، في وجهها دفء الحقول وبراءة الربيع، كأنها فرّت من أحلامه، كأن يد القدر رسمتها على هواه، عيناها واسعتان كاتساع المدى في قريته التي قصفها الجيش الأسدي، خداها حمراوان كوردة جورية، وجهها كوجه فتاة شامية حرة، من يراها من بعيد يشعر أن كائنًا سماويا لطيفًا يستريح على مقعد خشبي، ليعود إلى مهمته في السماء.
فكَّر أن يقترب منها، أن يلقي عليها التحية، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة؛ كيف لهذه الفتاة اللندنية أن تهتم لمهاجر سوري غريب مثله! كيف لملاكٍ سماوي مخلوق من نور أن ينتبه لكائن مجبول بطين الأرض!
مرّ أمامها بهدوء، توقف قليلا ونظر في ساعته، ليحظى بأطول فترة ممكنة بقربها، تنهّد بحسرة، ومضى في طريقه ينتظر المساء لعله يراها في المنام!
لاحظته وهو يقف أمامها ينظر في ساعته، يداه قويتان كَيَدَي فلاحٍ مكافح من بلادها، تشبهان يدي أبيها، وجهه رجوليّ أسمر، كرغيف خبز طازج خرج توًا من التنور، شعره الأسود الكثيف يشبه كثافة العشب في قريتها التي قصفها الجيش الأسدي، كأنّ هذا الكائن مناضل شرس خرج من حرب ويسعى إلى حرب، يحمل انتصاراته على كتفه ويمضي، تمامًا كما تخيلته في أحلامها!
ليته يقترب منها ويلقي التحية، ليته ينظر إليها ويترك لعينيها أن تكملا المهمة، فكّرت أن تقف وتمشي بسرعة لعلها تصطدم به عن غير قصد، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة.. كيف لهذا الفارس الأجنبي أن يهتم لمهاجرة سورية غريبة مثلها تجلس في مقعد ناء في مدينة باردة لا تعرف مكانًا تذهب إليه!! تنهدت بحسرة ثم طأطأت رأسها وعادت تفرك يديها من البرد.
_____________________________________________
*أديب وناقد سوري بارز وأستاذ في جامعة قطر، وهذه أولى نصوصه المنشورة في (العربي القديم)