أدونيس نموذجا: الصمت موقف والكلمة مسؤولية
بدا طائفيا صغيرا يدعي الحزن على الضحايا الأبرياء بربطة عنق حمراء وضحكة وقحة وسط جمهوره،

أسامة المصري- العربي القديم
أدونيس نموذجا للمثقف، فهو الذي اعتبر نفسه سوريا طوال حياته المديدة، صمت طوال أربعة عشر عاما، بدا طائفيا صغيرا يدعي الحزن على الضحايا الأبرياء بربطة عنق حمراء وضحكة وقحة وسط جمهوره، ومع كل يوم جديد يفاجئنا مثقفون بما ينشرون وما يرددون إشاعات لا يصدقها حتى الأطفال، غير آبهين بانعكاساتها الخطرة على السلم الأهلي، وحتى لو كانت على حساب آلام الناس ودمائهم، ووحدة السوريين وترابهم، وما يجري من نشاطات مشبوهة إنما يأتي تتويجا لسقوط عبرت عنه النخب والمثقفين بطرق مختلفة منذ انطلاق الربيع العربي والسوري.
حصل الانقسام الأول بين السوريين إثر انطلاق الثورة، بين من التحقوا بالثورة وبين من انحازوا إلى النظام والفئة الثالثة كانت الصامتون، ما حدث خلال الـ 14 عاما يعرفه الجميع، فقد طال الدمار البشر والحجر، لكن ما لم يطفو على السطح هو حجم الدمار الأخلاقي وانهيار منظومة القيم، التي تعمد النظام استهدافها من خلال استباحة كل شيء من قبل مخابراته وضباطه وجنوده وميليشياته، وتوريط المدنيين بجرائمه من خلال نشر وترسيخ الفساد على نطاق واسع، دافعا فئات معينة بالمشاركة بالقتل كالأطباء والممرضين، على سبيل المثال، كما أعطى الإعلاميين مجالا أوسع عبر وسائله الإعلامية ليكونوا شركاء في الجريمة والتحريض، فأساتذة الجامعات ارتدوا اللباس العسكري وحملوا السلاح، وحتى مهنتي المحاماة والقضاء اللتان من المفترض أنهما تمثلان العدالة والقيم انهارتا وتحول الكثير من المحامين إلى تجار دم، فيما تحول القضاة إلى شركاء في الجرائم وبالتالي أصبحوا قتلة كأي مجرم يحمل سلاحا ويقتل، كما التدمير الممنهج لنظام التعليم وخروج مئات الآلاف من الطلاب من المدارس وانهيار النظام التعليمي بشكل عام، لتصل سوريا إلى حالة من الانهيار القيمي والأخلاقي قل نظيره.

سقوط النظام، وحصول الناس على حريتهم كشف المستور، وبدا واضحا أن أحد أهم منجزات نظام الأسد خلال الأربعة عشر عاما هو سقوط الضمير، عند النخب بشكل خاص كما فئات أخرى، فسياسية الإفقار وانهيار الطبقات الاجتماعية، وظهور طبقات جديدة من تجار الحرب والدم عملاء النظام وأزلامه ، كان لها نتائج كارثية على المجتمع السوري، فانهارت العلاقات الاجتماعية والتضامن الاجتماعي، الذي عرف به السوريون عبر تاريخهم، وبالطبع لا يوجد إحصائيات لانتشار الجريمة أو المخدرات، وظواهر أخرى، مع وجود رئيس دولة كان زعيم عصابة يتقاسم مع زوجته وشقيقه وزعماء الميليشيات، صناعة وتجارة المخدرات والتهريب والجريمة المنظمة.
بالطبع ما تقدمت به لا يشمل كل ما ارتكبه النظام طوال حرب الأسد، فتسليم الأسد سوريا لإيران وروسيا من أجل حمايته أطلق يد الميليشيات الطائفية بكل أنواعها، وأعطاها حرية الحركة فاحتلت بيوت المهجرين، ونهبت وسرقت كل ما وقعت أيديهم عليه، وافتتحت الأسواق للتجارة بالمسروقات، فيما روج للتغيير الديموغرافي المنظم عبر مقولة ان الوطن للذي يحميه، والذي جرى أمام الجميع وبأبشع الطرق الهمجية في ترحيل الناس بالقوة بالباصات الخضراء سيئة الذكر.
مما تقدمت به أردت إيجاز ما حدث طوال 14 عاما، لأقول أن كل ما حدث لم يهز أو يحرك فئة الصامتين، وحتى اللطم الذي مارسه المستوطنون الجدد في شوارع دمشق، لم يسمع به أولئك، أو انهم اعتبروه شيئا عاديا، وهؤلاء الصامتون تصدروا صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، بعد سقوط النظام، ليبدأوا نشاطهم المحموم، مستفيدين من سقوط النظام وحصولهم على الحرية التي لم يعرفوها منذ ولادتهم، فمعظمهم ولدوا أو شبوا في رحاب دولة الأسد، وللحق أقول أنه لا يمكن وضع جميع الصامتين بنفس الكفة ولا بد من التمييز بين فئاتهم.
الفئة الأولى من الصامتين تحسب نفسها على النخب الثقافية وشغلت وظائف مهمة ضمن دولة الأسد إن كان في الإعلام أو مؤسساته الثقافية، أو التعليمية أو غيرها، ولم ينبس أبناء هذه الفئة ببنت شفة طول الـ 14 عاما بل وقبل ذلك بكثير، فهم نموذج الانتهازي والوصولي الذي صنعه نظام الاسدين، وكنت أتمنى عليهم، لو احترموا أنفسهم وابتعدوا عن المشهد، لكان يمكن تفهمهم مع دخولنا مرحلة بناء سوريا الجديدة التي تحتاج إلى الجميع، كما فعل بعضهم، لكن آخرون وهم كثر تحولوا فجأة إلى نشطاء لا ينتقدون السلطة الجديدة وحسب (وهذا حقهم كمواطنين أصبحوا أحرار بانتصار الثورة)، بل انطلقوا بترديد الإشاعات والأكاذيب التي تصب الزيت على النار في بلد جريح، بداية نظرت إلى ذلك أن الانتقال إلى الحرية ليس سهلا على من لم يعرفها طوال حياته لعقود من (سوريا الأسد) التي كان يعيش ضمن مطحنتها.
حاول العديد منهم تقبل الواقع الجديد على مضض، فهم لم يعتبروا ما حدث انتصار للثورة بل سرقة لها، فيما آخرون اعتبر أن ما حدث هو انتقال من سلطة إلى سلطة، مرجحا الكفة لصالح سلطة الأسد لاعتبارها علمانية، فهم لم ينتبهوا إلى حفلات (اللطم) في الشوارع كل تلك السنوات، ولم ينتبهوا إلى صور الأسد بين نصرالله وخامنئي، المنتشرة في كل مكان، وربما كنا سنعذرهم عن صمتهم عن كل جرائم النظام وعلى أساس طائفي ورايات طائفية إيرانية ولبنانية، لو كانوا وطنيين وموضوعيين في ردات فعلهم، تجاه جريمة قتل المدنيين الأبرياء في الساحل، التي أتت بعد ما ارتكبه الفلول من جرائم بحق عناصر وضباط الأمن العام، ضمن عملية مخططة ومبيتة ومدعومة من الخارج وتنسيق، مع قوى محلية وإقليمية، ورغم ذلك يمكن تفهم ردة الفعل تجاه مقتل المدنيين، لكن لا يمكن تفهم ممارسة أبشع أنواع التحريض وترديد الأكاذيب ونشر الفيديوهات والصور، التي تثير المشاعر وتحرض على العنف، (بعض الناشطين إلى الآن مستمرون بنشر الصور والفديوهات) وحتى لو كانت حقيقية، ما الفائدة من نشرها سوى إثارة نزعة الانتقام والانتقام المضاد وإرهاق المزيد من الأرواح، وكأن سوريا ينقصها المزيد من الدماء، سلوك هذا الصامت القديم والمتحدث الجديد، أيضا كنا سنجد له العذر لو أنه أتى على ذكر جريمة فلول الأسد وقتلهم المئات من رجال الأمن العام الذين شهد بحسن أخلاقهم وسلوكهم أشخاص تحدث معهم، لكن للأسف فالعديد من الصامتين استفاق عندهم الانتماء ما دون الوطني ليتجاهل تلك الجريمة، وكأن عناصر الأمن العام ليسوا أبرياء وليس لهم أمهات أو أطفال وزوجات، وهذه محاولة لأضعهم أمام أنفسهم علهم يلتقطوا فرصة أخرى.
فئة ثانية من الصامتين شاهد الكارثة السورية وعايشها وربما استفاد منها بشكل مباشر أو غير مباشر لكنه داخل سوريا ولا يستطيع أن يتكلم فثمن الكلام باهظ جدا، (خلال حرب الأسد هناك أشخاص رفعوا أصواتهم ولم يقبلوا بالصمت، وساهموا بالسلم الأهلي وكانت مواقفهم وكلماتهم أقوى من الرصاص في زمن الصمت القاتل)، بينما نعم الصامتون بالهدوء، ومع ذلك أعذرهم فالخوف من الموت مشروع مع وحشية آلة القتل الأسدية، ومعظم هؤلاء كانوا أوفياء لمواقفهم واستمروا بصمتهم، فيما آخرون رحبوا بانتصار الثورة معتبرين أن ما جرى واقعا جديدا يجب التعامل معه.
أما الفئة الثالثة والتي صمت أصحابها عن كل جرائم الأسد وميليشيات الطائفية لكن كان له صوت مرتفع بتمجيد حسن نصرالله واعتباره بطلا، وحتى الحوثي ناله التمجيد والمديح، فضمير هؤلاء تعذب على جرائم الاحتلال في غزة بينما لم يسمع ضميرهم بمجازر حسن نصرالله بأطفال الحولة على سبيل المثال، فيما ذهب آخرون من هؤلاء باعتبار ما ارتكب من جرائم في الساحل يساوي ما ارتكب الأسد وميليشياته، و(خلصنا الكل مجرمين) وانتشرت العرائض للتوقيع.
ولأن مشاعرهم وأحاسيسهم تتحرك فقط باتجاه واحد بدأوا في البحث عن تموضع جديد، تحت شعارات وتحركات سياسية حينا واجتماعية حينا آخر، وبدل أن يشعر الإنسان بالمسؤولية الأدبية والأخلاقية تجاه بيئته الحاضنة رأيناه ينطلق كمارد من القمقم ليستغل دماء الأبرياء التي أريقت في حملة قل نظيرها من التحريض، مستحضرا كل مفرداته وذاكرته أحادية الجانب، متهما الآخرين بما هو فيه مطبقا قول المثل (رمتني بدائها وانسلت).
أما الجماعة الأخرى من الصامتين وطوال زمن الجرائم هم الفارين من سوريا ويعيشون في بلاد المهجر، وللإنصاف أقول فلكل انسان ظرفه وليس مطلوب منه أن يصدر بيان أو موقف بكل جريمة من جرائم النظام وهي لا تحصى، خاصة أن العديد منهم انشغل في أموره الحياتية متنحيا عن أي نشاط سياسي أو(فيسبوكي)، بينما راقب آخرون ما يجري في سوريا ويعرف كل تفاصيله لكنه صمت ولن نسأله لماذا صمت، فربما كان يخاف على أهله من بطش النظام ومخابراته، وآخر ربما صمت لأنه يخشى ذويه المؤيدين في الداخل، فتجاهل الجرائم بل ربما لم يسمع بها، وليس لديه مصادر أخبار حينها، وآخر لا يريد جرح مشاعر أهله، أو إحراجهم أمام جيرانهم أو أقربائهم، كمعارض وناشط ضد نظام الأسد، فهو بهذه الحالة سيكون عار عليهم، وكنا سنعذر كل هؤلاء لو أنهم تحدثوا بأمانه وبضمير بعد سقوط النظام وانتهاء مسببات الخوف والصمت، لكن للأسف فالعديد منهم يبدو انه كان يحبذ استمرار النظام على أن يسقط على يد هؤلاء وهذه مصيبتنا.
فيما لابد من الإشارة إلى فئة أخرى من الصامتين كانوا يذهبون إلى سوريا ويعودون إلى موطنهم الثاني ويحسبون أنفسهم من نشطاء المعارضة، (بالطبع لا أدري كيف؟ بعضهم تصدر المشهد بعد اسقاط النظام ليكون ناشطا ومعارضا أيضا للسلطة الجديدة) ، أيضا هناك نموذج من الصامتين، كان يتحدث يوما ويصمت دهرا، وكل هؤلاء لم ينتقدوا يوما جرائم النظام، بحق السوريين ونحن نتحدث عن قتل أكثر من نصف مليون سوري، ومجازر لا تحصى من بينها جرائم الأسلحة الكيماوية (ولا أدري اذا كان بعضهم صدق رواية بثينة شعبان) كما أنهم لم ينبسوا ببنت شفه عن هدم المساجد وبناء الحسينيات وما تبعه من مظاهر أتباع ايران وقطعانهم المنفلتة في أحياء وشوارع دمشق أو المدن السورية الأخرى، وغضوا النظر عن إهانة المقدسات من قبل هؤلاء، وغضوا النظر عندما أهان اتباع حسن نصرالله، أهالي مدينة حمص إثر مقتله وغضوا، وغضوا وغضوا، حتى آخر ما غضوا، ومن حقهم ذلك، لو بقوا كذلك، لكنهم استفزوا منذ وصول ملتحي إلى قيادة سوريا وأشهروا سيوفهم (الفيسبوكية).
الانقسام الثاني حصل ضمن الفئة المعارضة وهو الأسوأ، هذه الفئة وحًدها الموقف من النظام البائد، وفرقها انتصار الثورة أو سقوط النظام، فالعديد لم يرحب بسقوط النظام، ولم يعتبر أن من أسقط النظام هي الثورة، والانقسام كان هذه المرة بين مرحب ومهلل من جهة وبين مصدوم وحزين ورافض وصولا إلى الفئة التي لديها استعداد للدعوة إلى الاقتتال وتحريض على تحالفات ودق ناقوس الخطر دون أي وازع أخلاقي تجاه سوريا التي نريدها للجميع، وقد يموت هؤلاء بهذه الحسرة لأن نظام الأسد الذي أجرم بحق جميع السوريين سقط إلى الأبد ومن لم يفرح ويهلل لسقوطه فقد خسر هذه الفرحة إلى الأبد لأن نظام الأسد لا يسقط مرتين، فالسوريون كنسوا النظام إلى الأبد وبقيت سوريا وزال الأسد.
في البداية تمظهرت حالة الانقسام والاستقطاب وجميعها على وسائل التواصل الاجتماعي بلغة أقرب لأن تكون سياسية، لكن وقبل أن يمضي ثلاثة أشهر على إسقاط النظام تحولت حالة الاستقطاب من اللغة السياسية إلى شتائم لا تليق لا بمثقف ولا حتى بأي إنسان، كنت ومازلت متفائل بأن ما يجري على صفحات (الفيسبوك) لا يمثل السوريين ولدي الكثير من القرائن التي تؤكد ذلك، ولدي أمل وثقة بأن سوريا ستتجاوز جراحها وتتعافى بجهود جميع أبنائها (دون الفيسبوكيين ومعظمهم خارج سوريا ولن يعودوا اليها وكثير منهم لن يزوروها)، ومن يتصدر المشهد سواء كان في فرنسا والمانيا أو سويسرا لا يمثلون سوى أنفسهم ومتابعيهم.
إن استخدام لغة الخطاب العالي بالنفحة ما قبل وطنية في محاولة لشد العصبية، والمشاعر والأحاسيس القبْلية، إنما تدل على إفلاس سياسي وأيديولوجي وفكري، وسقوط أخلاقي وقيمي، كاستخدام إشارات وكلمات لا تليق بمن يعتبرون أنفسهم نخب ثقافية، لكن يبدو لابد من فعل ذلك حتى يرضي متابعيه الذين على شاكلته، ولا بد أن يخاطبهم بما يريدون حتى يبقى مقبولا، وحتى يحافظ على موقعه الاجتماعي الذي صمت لعقد من الزمان لأجله، وحتى لا يكون خارج السرب مع انهيار النظام الذي أفزع الكثيرين.
الاطلاع على صفحات من يتصدرون المشهد (الفيسبوكي)، إن كانوا من الصامتين السابقين، أو الناشطين الحاليين، يتضح حجم الاستقطاب مادون الوطني، ووصل بمن رفضوا سقوط النظام بهذه الطريقة اعتبار كل مخالف لرأيه مطبل لـ (الجولاني)، (وكأن السوريين والمرحبين اختاروا طريقة إسقاط النظام)، أما إذا ارتكبت أكبر الكبائر بانتقاد آرائهم فيسارعون لاتهامك باتهامات مقيته، أما اذا عبرت عن رأيك فتلك جريمة، أقلها (من أنت) لتنتقد رأيه أو تنظيمه أو زعيمه أو جماعته أو عشيرته إلى آخر المعزوفة، هم يهاجمون التكفيريين ليل نهار، ويمارسون ليس التكفير بل التطهير، وبالضرورة من صمت عن التطهير يوما سيمارسه بأشكال مختلفة، عندما يحتاج اليه أو عندما يجد أن كينونته مهددة ولو معنويا، وهذا ما يحصل اليوم مع ارتفاع منسوب الكراهية والعنف اللفظي تجاه الآخر، ونحن نعرف أن الكلمة هي سلاح أخطر من الرصاص، فما بالك بالصورة والفيديو حين تستخدم بالمكان الخطأ، ما يحدث مؤسف للغاية في زمن مطلوب التعالي على الجراح، فسوريا تحتاج جميع أبنائها.