مقامات أمريكية | الأقواس الهلالية، مطبات في الطريق.

د. حسام عتال
لنقرأ معاً هذا النص:
اعتاد (جورج) الاجتماع مع صديقيه (ميشال) و (دانيال) في مقهى (الجندول) قرب شاطئ (روتاندا). عندما وصل (جورج) وركن سيارته (المرسيدس)، لم يجد في الموقف سيارتي (ميشال) و (دانيال). (ميشال) يفضل (البي إم دبليو) لأنها، حسب زعمه (الأكثر متعة في القيادة)، فيما (دانيال) يفضل سيارته (الأودي) لأناقتها، ويسميها (دلوعة دانيال). في المقهى طلب (جورج) فنجان (اسبريسو) واختار طاولة في (قسم المدخنين). هناك أشعل سيكارة (مالبورو) بقداحته (الاس تي دپونت)، ثم أخرج من حقيبته (السامسونايت) الجلدية كتاب مسرحية (مأساة الدكتور فاوست) التي ألفها (كرستوفر مارلو) عام (١٥٩٢) متابعاً القراءة من الصفحة (٥٧): “إذن أسرع إلى خميلة منعزلة، واحمل معك أعمال الحكيمين (بيكون) و(البانوس) و (المزامير العبرية) و(العهد الجديد).
هكذا يبدو النص إن اتبعنا قواعد استخدام الأقواس الهلالية كما قيل لنا أن نراعيها: الأقواس الهلالية يجب أن تستخدم عند الاحتراس والتفسير والتحديد، وفي وسط الكلام الحاوي على معان ليست من أركان الكلام الأساس لتوضيح جزء منه، وفي الجمل المحتوية على تعليق أو جملة اعتراضية، أو على إشارات أو إحالات الى أماكن أخرى في النص، وللإشارة إلى الأسماء غير العربية، والأرقام والتواريخ، وبدلاً أو نيابة عن علامة للتنصيص، وعند الاستشهاد بالمصادر، وعند التوثيق، وعند الاستشهاد بلفظة لتفسير معناها، أو اللفظة المراد إعرابها أو المراد إبرازها، وعند ذكر مصطلح بديل بجانب المصطلح المذكور، وعند التمثيل لمجمل السابق، والعبارات التي يُراد لفت النظر إليها، وللفصل بين كلام الكاتب والكلام المنقول من غيره.
هذا التعدد في الاستخدام كثير، أكثر من أن تتحمله علامة الأقواس الهلالية التعيسة. وهو أكثر مما تصبر عينا القارئ المسكين على متابعته قبل أن تصاب بالدوخة.
في الأساس، علامات الترقيم رموز اصطلاحية الهدف منها تنظيم الكتابة، لتساعد في فهم معاني الجمل ومقاصدها. أدخلها إلى العربية رجل عظيم اسمه أحمد زكي باشا عندما طلب منه وزير المعارف المصرية أحمد حشمت وضع أسسها وقواعدها. أحمد زكي كان رجلاً استثنائياً من أعيان النهضة الأدبية في الوطن العربي، ومن رواد إحياء التراث العربي الإسلامي لذلك اشتهر في يومه بلقب شيخ العروبة. بالإضافة لجهوده الكبيرة في إحياء التراث، كتب أعمالاً في الترجمة والتأليف والنشر، وعمل على اختصار عدد حروف الطباعة العربية بعد أن كانت مستحيلة الطباعة لكثرتها، فاختصرها من ٩٠٥ أشكالاً إلى ١٢٣ شكلاً و٣٧ علامة، مما جعلها أيسر على الطباعة بشكل جماهيري واسع. وكان رجلاً عديد المواهب والاهتمامات، تخرج من كلية الحقوق ودرس فنون الترجمة وكان يجيد الفرنسيّة ويلم بالإنجليزية والإيطاليّة وله معرفة باللاتينيّة. تدرج في المناصب حتى صار سكرتيراً لمجلس الوزراء ولكن وظيفته العالية لم تخفف من شغفه لمتابعة الأدب والثقافة، فقام بجهده وماله الخاص بإنشاء مكتبة كانت من كبريات المكتبات في المشرق. عندما طُلِبَ منه إدخال علامات على العربية، أقبل على دراسة ما وضعه علماء اللغة الغربيون ووضع اصطلاح “علامات الترقيم”. وأتم عمله يرسالة عنوانها “الترقيم وعلاماته باللغة العربية” عام ١٩١١. كان عملاً جباراً لأن العربية كانت بأشد الحاجة لعلامات تساعد القارئ في فهم بغية الكاتب في نصه. إن من يحاول قراءة مخطوطة قديمة أو كتاب من أمهات الكتب يدرك الصعوبة في فهمها بسبب غياب هذه العلامات، ولأحمد زكي أشد الفضل في تدارك هذا النقص.
لكن هذه القواعد الترقيمية تطورت مع الوقت لتصبح في مواضع معينة صعبة المزاولة ومعجزة الدرك، فأصبح مفعولها عكسياً، كما هو الحال في القوسين الهلاليين. فلو اتبعناها بالشكل المطلوب تصبح النصوص مليئة بالأقواس، ويتغير شكل النص من بسيط سلس جميل، إلى معقد وقبيح مزعج، دون أي إضافة تذكر لفهم القارئ للنص.
إحدى الصديقات وصفت الأقواس الهلالية الزائدة بأنها “كمن يقود سيارة ويمر بمطبات متتابعة في الطريق”، وهي محقة. فإن كان الترقيم سبباً إلى حاجة، وذريعة إلى بغية، فمن المقبول استخدامها باعتدال في حالات معينة كما عند الاحتراس والتفسير والتحديد. ولكن ما هي الحاجة للإشارة للاسم الأجنبي؟ هل من قارئ لا يدرك أنه كذلك. وهو نفس الحال في الأرقام والأعوام، هل منّا من لا يعرف أنها أرقام وأعوام؟ هل هناك من يسئ فهمها بأنها شئ آخر؟ ماهو الداعي إذاً لوضعها بين أقواس هلالية وكيف ييسر ذلك فهمها أو إدراك مقصدها؟
لنقرأ الآن النص الذي بدأنا به دون أقواس:
اعتاد جورج الاجتماع مع صديقيه ميشال ودانيال في مقهى الجندول قرب شاطئ روتاندا. عندما وصل جورج وركن سيارته المرسيدس، لم يجد في الموقف سيارتي ميشال و دانيال. ميشال يفضل البي إم دبليو لأنها حسب زعمه الأكثر متعة في القيادة، فيما دانيال يفضل الأودي لأناقتها، ويسميها دلوعة دانيال. في المقهى طلب جورج فنجان اسبريسو واختار طاولة في قسم المدخنين. هناك أشعل سيكارة مالبورو بقداحته الاس تي دپونت، ثم أخرج من حقيبته السامسونايت الجلدية كتاب مسرحية مأساة الدكتور فاوست التي ألفها كرستوفر مارلو عام ١٥٩٢ متابعاً القراءة من الصفحة ٥٧: “إذن أسرع إلى خميلة منعزلة، واحمل معك أعمال الحكيمين بيكون والبانوس والمزامير العبرية والعهد الجديد.
في هذه النسخة من النص لا أجد تشويشاً في المعنى يحتاج لتوضيح بأقواس هلالية، ولا شك أن النص أجمل وأنقى وأيسر لعين وذهن القارئ. حان الوقت إذاً لمراجعة القواعد الخاصة بالأقواس الهلالية (وأقواس التنصيص أيضاً التي يساء استخدامها بشكل مماثل). هذه العلامات يجب حصرها فيما وجدت لأجله: توضيح النص، وليس كمطبات في طريق القارئ.