الرأي العام

تفاصيل سورية | الديمقراطية في سورية الجديدة

لن تستطيع السلطة أي سلطة بعد اليوم فرض ديكتاتورية قاهرة كالتي كانت

غسان المفلح – العربي القديم
الديمقراطية ليست تعريفا نظريا فقط. ليست شعارا يرفع… وهي غير أنها ميزان قوى -وهذا الأهم برأيي- هي أيضا ممارسة.
الديمقراطية وسيلة وليست هدفا. وسيلة من وسائل الاجتماع الإنساني، تحت بند عقد اجتماعي. وسيلة فيها تصالح طبقي أو مصلحي بين المواطنين وأصحاب النفوذ، سواء كان اقتصاديا أو حزبياً أو سياسيا. أو لنقل هي توافق بين نضالات الشعوب من أجل الحرية وبين عدم تخلي أصحاب النفوذ عن امتيازاتهم. توليفة أنتجتها البشرية في سياق نضالها للانتقال من المجتمع الغريزي إلى المجتمع الإنساني أو المكتسب. هي إنتاج وإعادة إنتاج لنظام طبقي تتنازل فيه أصحاب مصالح متناقضة لبعضها.

هذه المقدمة البسيطة لا يمكن أن نعرض عليها مثالا إلا أوروبا الغربية كعالم متقدم ديمقراطيا. وكنت قد عالجت هذه القضية سابقا في مقالات عدة. وسورية مثالا من عالمنا الذي يدور في فلك نظام دولي يحتكر القوي فيه الثروة والسيادة.
أوروبا مرت بثورات كثيرة غالبها سلمي من أجل الوصول للديمقراطية الحالية. مرت بتغيرات تسمح ببناء نظام ديمقراطي، أهم هذه المتغيرات هو تراكم الثروة في هذه الدول إبان مرحلة الاستعمار القديم لبقية شعوب العالم. هنا يكمن في الحقيقة أس النظام الديمقراطي الأوروبي
الغربي هذه الصيرورة منذ الثورة الإنكليزية 1642- 1688 مرورا بالثورة الفرنسية 1789.
وصلنا إلى يومنا هذا نستطيع القول ببساطة أيضا خمسة عقود تقريبا احتاجت أوروبا للوصول لنموذج تاريخي للنظام الديمقراطي. نموذج نحاول الاقتداء به لأنه النموذج الذي يحكم الشعب فيه نفسه بنفسه! هذا التعريف بالطبع نسبي. لأنه النموذج الارقى بشريا. ببساطة هنالك مواطنين لهم نفس الحقوق والواجبات. لكنهم ليسوا بنفس الدرجة من الثروة. هذا ما يجعل لأصحاب الثروات الصوت الأعلى بطرق قانونية. المبنية على حق الملكية الخاصة.

 قبل الديمقراطية كانت نخب السلطة والثروة تحكم بالقمع والنهب. هذه النخب ونتيجة لنضالات الحرية وصعود طبقة جديدة في التاريخ، أدى إلى نشوء هذه المساومة التاريخية بين الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة. لأن الاقتصاد يحتاج لعبارة “دعه يعمل يدعه يمر”. المساواة أمام القانون بالحقوق والواجبات، الحريات العامة والفردية. في النظام الديكتاتوري هنالك مركز قوة وحيد هو الديكتاتور، بينما في النظام الديمقراطي الأوروبي هنالك تعدد في القوى الذي يحكم بينها هو صندوق الاقتراع. من يربح يحكم. بهذا لكل مواطن صوت. صوت يشعره أن يساهم في صناعة مستقبله. هذه الطبقة البرجوازية ومراكز قواها المتنوعة، والمسيطرة على المستوى العالمي أيضا، تحتاج لقاعدة دولية تحمي أموالها ومصالحها في الداخل وفي الخارج. لهذا تحتاج لدولها ان تكون مرتاحة وقوية لتقوم بهذه المهمة. تحتاج جيشا يدافع عنها. تحتاج سلاحا. هنا شكل آخر أيضا لنسميه الاتفاق الضمني بين أصحاب الثروة والشعب. تزداد ثروتهم وشعبهم يعيش مرتاحا. لنأتِ إلى سورية ببساطة أعيان حزب الشعب والكتلة الوطنية هم من كانوا خلف  التجربة ديمقراطية التي عاشتها سورية، والتي استولى عليها العسكر لاحقا. نحن الآن نحتاج لمثل هذه الصيغة. لا أقصد أعيان بالطبع، بل إلى مراكز قوى متنافسة سلمياً. أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني. اللوحة كما أتوقعها بعد سقوط الأسدية المجرمة، التي تركت البلد مدمراً مادياً، ورمزيا إلى حد ما، أن البرجوازية السورية ضعيفة والمستثمرون ضعاف وأقلية. ونحن أمام حكم جديد. بعيدا عن تفاصيل كثيرة لهذا الحدث الذي حدث في سورية بعد نهاية الحقبة الأسدية التي امتدت لعقود ستة تقريبا. هنالك تخوف من ديكتاتورية في سورية، بحكم خلفية القائمين على السلطة الآن.

وكي لا نبقى نتحدث بالعموميات يمكننا القول بوضوح:
الأقليات ونخبها مهما تحاول هذه السلطة من بث الاطمئنان لها، لكن منهم من لا يصدقها ومنهم من لا يريد أن يصدقها مهما فعلت. كما أن أسلوبها الأهلي والارتجالي لإرضاء الأقليات وخاصة الأقلية العلوية كان ذلك كله على حساب أمن البلد. إن أزمة محاولة الانقلاب الذي قامت به فلول الأسد أخرجت أسوأ ما في التركة الاسدية. وحدث ما حدث من جرائم ضد المدنيين على أساس طائفي، كانت السلطة تحاول الخروج من هذا النفق. لكن الانقلاب أفشلها نتيجة لأمرين:

الأول: أسلوبها في إدارة هذا الملف،

والثاني: تواطؤ الكثير من فاعلي الطائفة العلوية مع الانقلاب بما فيهم من أجروا تسويات أيضا مع مراكز التسويات. مما خلق خوفا هيستيريا عند الأكثرية وتم إعلان النفير العام وقامت فصائل منفلتة من جهة وشلل من المسلحين الذين يريدون الانتقام من جهة أخرى بالتوجه إلى الساحل.

 الانقلاب أفشل سياسة السلطة الأهلية الارتجالية هذه، وأفشل التراخي مع ملف العدالة الانتقالية وملف الفلول. مع ذلك نجت سورية من محاولة الانقلاب لكنها تحتاج لوقت لتنجو من نتائجها. ما حدث من جرائم بحق المدنيين من أبناء الطائفة العلوية وعناصر الامن العام ومن الأكثرية السنية في الساحل. هذا الأمر تحاول السلطة تجاوزه بتشكيل لجنة تحقيق واعتذار الرئيس الشرع.

 الآن بالعودة لموضوعنا. الديمقراطية ستكون مستقبل سورية للأسباب التالية:
أولا: أكثرية الشعب السوري التي عاشت الحرية وشعرت بالانتصار على الأسدية وتخاف عليه، لن تسمح حتى للسلطة الجديدة بالتفريط به ولا بالحرية. بغض النظر عما هو طاف على السطح الآن.
ثانيا: وجود قوى وازنة في المشهد أيضا كقسد والمكون الكردي مثلا وفاعلي الأقليات المسيحية والدرزية وغيرها. هذه القوى سيكون لها دورا مهما في المستقبل الديمقراطي للبلد. لا تستطيع السلطة تجاوزه حتى لو ارادت ديكتاتورية.
ثالثا: من الواضح ان شعبنا تعلم بسرعة بالخروج في تظاهرات ونشاطات من أجل حقوقه. وهذا يشير إلى انبثاق قوى سياسية ديمقراطية شبابية تكون ضامنا آخر للعملية الديمقراطية.
رابعا: هنالك قوى أهلية وازنة تريد تمثيلها وشاركت في الثورة ودفعت دما.
خامسا: البدء بدعم سياقات المصالحة الوطنية يعزز الميل الديمقراطي أيضا.
لهذا اعتقد لا خوف على سورية في حال رفعت العقوبات ستنجو بسرعة، ولن تستطيع السلطة أي سلطة بعد اليوم فرض ديكتاتورية قاهرة كالتي كانت. لهذا على السلطة أن تلاقي هذه العوامل بالبدء بإعلان دستوري ديمقراطي. بمجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، وبحكومة انتقالية تمثيلية تكنوقراطية تعتمد الكفاءة، إضافة إلى نظام اداري لامركزي لعموم سورية.
هذا يتم بمعزل عن الشعارات الوطنية أو سواء كان هنالك صدق وطني ام تكاذب وطني لا يهم المهم دولة القانون والمساوة والنظام الديمقراطي.
سورية ستنجو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى