اقتصاد تم اغتياله سياسياً!

العربي القديم – علي حمرة
لم يكن وزير الاقتصاد اللبناني الشهيد “باسل فليحان” ينوي الإجابة على أسئلتي الملحة، حول التعاون الاقتصادي السوري اللبناني، في الفترة الأكثر توتراً بين سوريا ولبنان، سياسياً خلال افتتاح معرض حول النسيج والصناعة السورية قبل نهاية عام ٢٠٠٤ .
الوزير “فليحان” كان برفقة الرئيس “فؤاد السنيورة” الذي حلّ محلّ الرئيس الشهيد “رفيق الحريري” برئاسة الحكومة، بعدما هدده “بشار الأسد” بشكل مباشر بالتصفية حسب ما يقال. في سورية لم يكن السوريون يعلمون بكواليس ما حدث في تلك الفترة بين “بشار الأسد”، والرئيس الشهيد “رفيق الحريري”، وما كان تهرب الوزير “فليحان” من الإجابة برأيي، وهو ما بدا في عيني الرجل، إلا خوفاً على حياته من تصريح صحفي لا يجامل، أو يجمِّل الحال المتدني للعلاقات بين البلدين، سيما وأنه كان من المقربين من الرئيس “رفيق الحريري”، ويعرف ما كان يجري من توترات، وتهديدات جدية حينها.
لا أعرف السبب الذي جعل الوزير “فليحان”، بعدما التقت عيناي بعينيه ثانية، يعود نحوي معتذراً بلباقة ونظر في عينيّ، وقال (شوبدنا نحكي…) وأومأ بيديه (متل مالك شايف..!) معتبراً أن هذه المجاملات و(البروظة) هي ليست حقيقية، إنما هي أكاذيب لتغطي على حجم الفجيعة، وأن السياسة تفسد ما بقي من اقتصاداتنا.
كان في فم الوزير “فليحان” ماء، يريد أن يعبر عما بداخله، إنما الخوف منعه، وهو الوزير الذي استطاع أن ينظم مؤتمراً في باريس عام ٢٠٠٢، وحصَّلَ قروضاً، ومساعدات بقيمة ٤،٢ مليار دولار للبنان حينها، بعدما مزقته الحروب الأهلية، والصراعات السياسية، في ظل حكومة الرئيس الشهيد “رفيق الحريري”.
أحببت أن أروي ما جرى بيني وبين الوزير “فليحان”، باعتباره والرئيس رفيق الحريري حالة، وتجربة اقتصادية، كان مشروعها لملمة جراح الحرب الأهلية، والسعي لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني، وكانا مثالاً يمكن التعويل عليه للقول: إن الاقتصاد يستطيع أن يجمع ما مزقته السياسة، لكن بعد أشهر سرعان ما تعرض الوزير “فليحان” لاغتيال سياسي، ضمن موكب الشهيد “رفيق الحريري” بعد أشهر.
في سوريا كان، ومازال لدينا رجالات كالوزير “فليحان”، والرئيس “الحريري”، بالعودة إلى حقبة الخمسينات كان الرئيس “هاشم الأتاسي” قد افتتح الدورة الأولى لمعرض دمشق الدولي، بعد حوالي عقد من الاستقلال، وكان من مؤسسيه نائب دمشق “فخري البارودي”، والدكتور “خالد بوظو”، والشاعر “سليم الزركلي” و “مسلم السيوفي” رئيس غرفة تجارة دمشق، وكان المعرض بمثابة تأسيس قاعدة، لانطلاق الاقتصاد السوري بشكل ذاتي صناعياً، وتجارياً وزراعياً، في ظلّ عدم استقرار سياسي، ورغم صعوبة الفترة، ومرحلة الانقلابات السياسية.. لكن مؤسس، وحاكم مصرف سورية المركزي “عزت الطرابلسي” عام ١٩٥٣ لعب دوراً مهماً في استقرار سعر صرف العملة، والحفاظ على استقلال السياسة النقدية، بعد إقناع السلطة بذلك حينها، والأمر الأهم لم تكن هناك مشاكل تجارية مع دول الجوار، أوعقوبات خارجية مفروضة ..حتى بداية الستينات الى أن وصل البعث إلى السلطة في سورية ١٩٦٣.
في المقابل على الضفة الثانية ثمة مَن لعبوا أدواراً سلبية وموروثة، في الحياة السياسية والاقتصادية، ففي الثمانينات كان “رفعت الأسد” سبباً لأزمة اقتصادية كبيرة، وهي قصة خزينة المركزي التي أخذ منها أموال الشعب السوري؛ ثمناً لتنازله عن السلطة لأخيه .. وهنا بدأت مرحلة اقتصاد الظل الذي سمح بالبناء العشوائي، حول دمشق وريفها، دون تراخيص، ووسع دائرة الفساد، وزاد التهرب الضريبي، وتجارة التهريب من لبنان، والمحسوبيات، واستملاك الأراضي وبيعها، وانتشر البناء المخالف في الأراضي الزراعية، وتحولت الأراضي الخضراء إلى كتل إسمنتية عشوائية، دون ضابط، أو قيد ( نبع وادي بردى نموذجاً صارخاً كيف كان، كيف كان وكيف أصبح عام ٢٠٠٠؟).
تعتبر حادثة سقوط سقف مطار دمشق الدولي في صالة القادمين عام ٢٠١٠جراء الفساد المستشري، وسوء التنفيذ (لم يكن هناك قصف إسرائيلي حينها) تُعتبر مثالاً على بلوغ الفساد ذروته، وفضيحة لم يستطع النظام تغطيتها.. والأمثلة كثيرة لا يسعني ذكرها، حتى جاءت الثورة السورية لرفض هـذا الواقع، والمطالبة بحرية، وكرامة السوريين.
منذ عام ٢٠١١ إلى اليوم والانهيار الاقتصادي مستمر، إلى أن تعطّل الإنتاج، توقف التصدير، صعوبة الاستيراد، وانهيار سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، ودمار البنية التحتية، والتقديرات الدولية أشارت إلى خسائر الاقتصاد السوري بحدود ٥٣٠مليار دولار .
اليوم ثمة أصوات اقتصادية، رغم معرفتها بقوانين ومنطق الاقتصاد، تدعو لفكرة بث النبض في الاقتصاد السوري؛ لإعادة الإعمار، ورفع العقوبات الاقتصادية، في ظل الواقع الاقتصادي المأساوي الذي يعيشه السوريون، من نقص في المواد والموارد المالية، وشبه تعطل، وتوقف نبض الاقتصاد.. ترى هذه الأصوات أن الاقتصاد يمكن أن يكون مدخلاً لحل قضية سوريا والسوريين، وترك الحل السياسي كأمر واقع ! متجاهلين أن عجلة الاقتصاد، لكي تدور نحتاج إلى ثقة المستثمرين أولاً، وجلب رؤوس الأموال لإعادة الإعمار، فاليوم ليس كما الأمس، في الماضي كانت دمشق محوراً تجارياً وصناعياً هاماً، عندما كان في دمشق رجالات دولة تعي معنى بناء البلد بعد حلم الاستقلال.
في حالة الاقتصاد السوري الكلي المفقود(الذي تم اغتياله سياسياً) اليوم يُعَدُّ الحديث عن مستقبل الاقتصاد السوري، ودوره في معالجة التمزق، والانهيار الاقتصادي الذي أوغلت به سياسات “بشار الأسد” ..يٌعَدُّ كلاماً سابقاً لأوانه، في ظل غياب حل سياسي، تعطله مصالح الدول ، وبقاء بشار الأسد على رأس السلطة .
فهناك أكثر من ٩٠ ٪ من السوريين الذين في سورية سقطوا تحت خط الفقر بأميال يحلمون، (وأنا أحلم مثلهم) باليوم الذي ستعود فيه عجلة الاقتصاد السوري إلى الدوران ..لكن هذا اليوم مرهون بجملة عوامل، أهمها الاستقرار السياسي العالمي والمحيط بسوريا، والأمل باستعادة الدولة السورية سلطاتها المسلوبة، ورحيل نظام الأسد من السلطة.
كنت أود أن أكونَ متفائلاً كما كان الأستاذ نجيب الريس متفائلاً، قبل تسعين عاماً.. لكن اليوم ليس كما الأمس.. في حالنا لا تستطيع أي وصفة اقتصادية لملمة جراحنا،(فالأمر أعقد بكثير..)، والحل الوحيد أن يحلَّ القانون ودولة المؤسسات، محلَّ “نظام الأسد”؛ ليأخذ رجالات سورية دورهم الحقيقي، كما كان الرئيس “رفيق الحريري”، والوزير “باسل فليحان”.
___________________________
من مقالات العدد السابع من مجلة (العربي القديم) كانون الثاني/ يناير 2024