أرشيف المجلة الشهرية

نهاد قلعي... جرح بملامح إنسان

بقلم: إيمان الجابر

لاستعادة التفاصيل  تنهض الصور من غيبوبتها القسرية، تُعيد تشكيل المشهد الصامت، تتسرّب الحياة شيئاً فشيئاً لها، لا أسمع الكلام، وإنما أراه، جبلاً من الموهبة مقيداً بحزنه، حطام إنسان، قتيل يتحدث عن قاتله، عن ناكر الحق وسارقه، هو مشهد يبدو سريالياً لوهلة، لولا أن سطوع اللون الأبيض يعيد التفاصيل إلى الذاكرة.. يتابع كلامه: بقي لآخر لحظة، وهو يحاول إزالة اسمي من القائمة المعدّة للتكريم، قالوا لي: لم يترك طريقة ممكنة،  حتى لا يتمّ تكريمك) مزيج من الغضب، والحزن تجلّى بنبرة صوته.

 بدت كلماته القليلة البطيئة، المتقطعة مشبعة بالقهر، مثقلة بالوجع والمرارة. يصمت، ملامح وجهه تُكمل ما تبقى من كلام كان يمكن أن يقال، إلا أن نُبل هذا الإنسان منعه. الشعور بالخذلان الذي ينهش الروح، ولا يستثني الجسد، ينتفض، ويسأل لماذا؟

لعنة الذاكرة البصرية، لماذا كلّ هذا البياض البارد القاسي؟ في  بيته الكائن في حي المهاجرين يفرض هيبته وجلاله، على معظم تفاصيل البيت المتواضع شديد البساطة، كان ذلك بعد أشهر قليلة من ظهوره، في حفل ختام مهرجان دمشق السينمائي، عندما كرمته وزارة الثقافة، في أواخر سنة 1991، وكنت شاهدة على الاستقبال العظيم له ،بحضور نخبة من النجوم  والسينمائيين العرب والسوريين، بدا وكأنه عاد إلى الحياة من جديد، هذه السعادة لم تدم طويلاً، عندما علم بما قام به  رفيق دربه، ومَن كان  أحد أهم الممثلين الكوميديين في سوريا، والوطن العربي لسنوات طويلة.

لم يكن ينظر باتجاهنا، كان يحدق بكلّ ذلك البياض الذي يحيط به، وكأنه يبحث عن كلمات مناسبة لقولها ، كلمات تجعله يستوعب حجم هذا الأذى، كي يفهمه، ويقدر على شرحه لنا  نحن (الكاتب الصحفي الراحل الأستاذ عادل أبو شنب وأنا)، لماذا؟

حقاً، لماذا كل هذا الحقد، لماذا؟! يحارب فنان، كي يمنع تكريم فنان آخر يُعتبر أحد أهم نجوم الكوميديا، ومن أبرز كتّابها ومبدعيها، ما الذي سيأخذه منه، إن عاد قليل من الضوء، والدفء لروحه المتعبة، المهجورة، المغيبة.

 أعتقد كلنا في دواخلنا كنا نتساءل لماذا، بعد أن تبادلنا الصمت؟

كنت عاجزة عن طرح أي سؤال يليق بمستوى هذا الألم. كل الأسئلة المُعدّة مسبقاً، سقطت، لم يعد لها  قيمة، أية محاولة مني للضغط، باتجاه الحصول على حوار صحفي  مناسب قابل للنشر  بات صعباً، وسيكون فيه من الأنانية ما لا أستطيعه، وعلى صغر سنّي حينها، فهمت الدرس، ليس كل ما يقال للنشر، وليس كل ما ينشر هو حقيقة ما يقال، وعلي أن أكون مستعدة لحوارات قادمة، يقال لي بعد انتهائها، هذا الكلام ليس للنشر، إذا كان هذا الكلام ليس للنشر، لماذا عليّ أن أجري حواراً تكرّر مئات المرات من قبل؟

حالة صمت كئيبة، استمرت قليلاً، وربما كثيراً، حتى دخول زوجة الأستاذ نهاد، بملابس الصلاة البيضاء، ليزداد المكان بياضاً، قدمت القهوة، وقالت بضع كلمات لا أذكرها، مشيرة إلى الكمية الكبيرة من الأدوية المكوّمة فوق منضدة بيضاء أيضاً، متوسطة الحجم،  قرب مكان جلوس زوجها، التفتّ أنا إليها محاولة  تقدير عددها، حسابات يقوم بها من لديهم شيء من الوسواس القهري. كم يحتاج من الوقت لتناولها؟ ماذا عن عدد المرات؟ كيف يعرفها من بعضها؟ تبدو لي متشابهة، هل بينها أدوية تعالج آلام الخيبة، وخذلان رفاق الدرب، وصمتهم عمّا حدث له، تركه سجين الوحدة والفراغ؟ هو الناجي من حادث أليم كاد أن يُودي بحياته، لم ينجُ من الهجر، من تغيبه القسري عن متابعة حياته، وهو مازال قادراً على العطاء والكتابة، هذا نوع من المشاركة في القتل الذي بدأه  ذلك الضابط الذي انهال عليه ضرباً، بالكرسي على رأسه، مستهدفاً عقله، كرامته، موهبته، جمال روحه المبدعة الحنونة، ولقمة العيش.

 قتل على دفعات، قتل مضاعف، فكان هجر الأصدقاء أشدّ وطأة على النفس النبيلة، من ذلك الاعتداء الفاجر،  من كائن يعطي صورة واضحة عن سلطة القمع، والقهر والإذلال، التي سمّيت من قبل فناني  النظام وأتباعه من المثقفين بالوطن، دون أن يمتلكوا شيئاً من الكرامة، للتضامن العلني معه، والمطالبة بكشف حقيقة وأسباب ما جرى معه، وهو مَن كان له الفضل عليهم جميعاً وباعترافهم، قالوها بعد وفاته، في مقابلات أجريت معهم، لا مجال لذكرها هنا، اكتفوا حينها بتناقل القصة بين بعضهم بعض همساً، ربما خوفاً من اعتقالهم، إن هم أظهروا شيئاً من الكرامة، للدفاع عما يُسمى حقوق الإنسان والفنان، أو طلبوا أن ينال المعتدي عقابه.

 أعتقد أنه حتى اليوم لم يُعرَف مَن هو، ولم يُحاسَب على جريمته.

وصف الأديب الراحل خيري الذهبي في مقال له، حال نهاد قلعي بعد الحادث:  “سواء كان مدبراً بمؤامرة، أم مجرد صدفة ــ إصابة نهاد قلعي بالشلل الذي أقعده عن الحياة والعمل، وشيئاً فشيئاً خبت الأضواء من حوله، وانسحب الأحباب والأصدقاء، ليجد نفسه وحيداً قعيداً مشرفاً على الإفلاس، ولا يجد من يواسيه أو يُقدّم له يد العون الحقيقية. وفي الوقت نفسه يعاني من شماتة الأدعياء،  وصلافة الأغبياء، وجحود الأصدقاء، مما أدى إلى تدهور حالته”.

عندما طُلب مني كتابة هذا المقال، وذكر هذه الشهادة، بحثت في النت عن أي شيء يؤكد هذا الذي سمعته  بأذني من نهاد قلعي، ورأيته بعيني في وجهه المعبر، عما يجول في وجدانه، وأعماق روحه، قرأت الكثير، مما كُتب عن نهاد قلعي، وشاهدت  مقابلات أُجريت معه وعنه، لفت انتباهي فيديو مجتزأ، من لقاء طويل  لفنان السلطة المدلل، عنوانه (دريد لحام يعترف بظلمه لنهاد قلعي، ويعتذر على الهواء)، لوهلة صدمت، معقول عن ماذا سيعتذر؟

وهل هناك مَن لا يعرف في الوسط الفني مثلاً، عن ماذا يجب أن يعتذر دريد من نهاد، عن الإهمال والقطيعة بعد المرض، أم عن الاستغلال المعنوي والمادي قبله؟ لم أنتظر طويلاً، ليجيب قائلاً:  “بعتذر من الأستاذ نهاد أنو كترت مقالب عليه، ثم يضحك ها ها ها ها… مو أنا غوار”.

إذا غوار الطوشة يعتذر من حسني البورظان عن المقالب التي كتبها الأستاذ نهاد قلعي.

أخيراً اللقاء الذي جمعني بالأستاذ نهاد قلعي في بيته لم يُسجّل، ولم يُنشر، ولكنه ساهم بشكل كبير، في تشكيل رؤيتي للحياة والفن والصداقة، وكذبة ما يُسمى برفاق الدرب في الوسط الفني السوري.

_________________________________________

من مقالات العدد الرابع من صحيفة (العربي القديم) تشرين الأول/ أكتوبر 2023

زر الذهاب إلى الأعلى