فنون وآداب

ديكتاتور المسرح الرحباني: رحيل أنطوان كرباج يعيد شريط المجد والذكريات

التصقت به صورة الديكتاتور في معظم مشاركاته في المسرح الرحباني حتى صار حضوره الفني مرتبطاً بالسلطة والقمع

محمد منصور – العربي القديم

 في دار المسنين المسماة “بيت القديس جاورجيوس”، في بيروت، حيث كان يعيش منذ سنوات بفعل إصابته بمرض الزهايمر، توفي أمس الأحد الممثل اللبناني الشهير أنطوان كرباج، عن عمر ناهز التسعين عاماً.

الممثل الذي أضاء خشبات المسارح بأقوى الأدوار، وترك بصمة لافتة بأداء مسرحي تميز بالحدة والسطوع وفخامة التعبير الصوتي، وخصوصاً أمام السيدة فيروز في مسرحيات الأخوين رحباني، انتهى للانتقال للعيش في مركز لرعاية المسنين في فبراير/ شباط 2020 نظراً لحاجته إلى عناية طبية ومراقبة متخصصة باستمرار نتيجة إصابته بالزهايمر.

وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، وصف كرباج، في منشور على منصة إكس بأنه “كان صرحاً من صروح المسرح اللبناني في عصره الذهبي”.  ونعت نقابة الممثلين في لبنان أنطوان كرباج بالإشارة إلى توليه منصب النقيب فيها بالقول: ” إنّ نقابة ممثّلي المسرح والسّينما والإذاعة والتّلفزيون في لبنان تنعى إليكم النّقيب الأسبق الفنّان أنطوان كرباج وتتقدّم من أبنائه وعائلته وجميع رفاقه والفنّانين في لبنان والعالم العربي بأحرّ التّعازي. رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته، لتكن نفسه في السّماء”.

أنطوان كرباج المولود في قرية زبوغا بمنطقة المتن الشمالي في سبتمبر/ أيلول سنة 1935، والذي درس التاريخ والجغرافيا في الجامعة اليسوعية، اجتذبه التمثيل منذ كان طالبا في الجامعة في خمسينات القرن العشرين فبدأ ممثلا من خلال المسرح الجامعي وقدم في بداية حياته أعمالا كلاسيكية من المسرح الإغريقي في “أوديب ملكاً” ومسرحيات شكسبير مثل “ماكبث” التي بدأ بها حياته المسرحية.

الشر والسلطة في المسرح الرحباني

النقلة الأهم في حياة أنطوان كرباج كانت من خلال عمله مع الأخوين رحباني بدءا من مسرحية (جبال الصوان) عام 1969 حيث قدم دور (فاتك المتسلط) بنجاح لافت، حجز له مقعداً دائماً في المسرح الرحباني حيث تخصص في أدوار الشر والتسلط فالتصقت به صورة الديكتاتور الذي يقاوم التغيير ويخنق هوامش الحياة في معظم مشاركاته في المسرح الرحباني حتى صار حضوره الفني مرتبطاً بالسلطة والقمع فأدى  شخصية “ملهب” المهرب في مسرحية (يعيش يعيش) عام 1970 التي كانت مزيجاً من الشر والطيبة ودراما اللعب مع الخطر و”الملك غيبون” في مسرحية (ناطورة المفاتيح) الذي يبلغ به الحال أن يهجر الشعب المملكة بعد أن استشرى ظلمه… و”الوالي” الذي ينتمي إلى عصر مضى في (صح النوم) عام 1973 وختم مسيرته مع الأخوين رحباني قبل انفراط عقد المؤسسة بانفصال السيدة فيروز عنهم، بدور القائد الروماني في مسرحية (بترا) آخر أعمالهم المشتركة، حيث تألق في أداء تراجيدي عال المستوى وعبر مونولوجات طويلة وصعبة أداها ببراعة واقتدار. وقد تابع كرباج مسيرته مع منصور الرحباني، فكان حاضرا في أول عمل قدمه بمفرده بعد سنوات من رحيل عاصي وهي مسرحية (صيف 840) مجسدا شخصية “اليوزباشي عسّاف” ثم في مسرحية (حكم الرعيان) التي لعبت بطولتها الفنانة لطيفة التونسية وأخرجها مروان الرحباني عام 2004

File written by Adobe Photoshop? 4.0

مع لطيفة التونسية في مسرحية (حكم الرعيان) 2004

في الوقت نفسه ظل أنطوان كرباج على صلة جيدة بالسيدة فيروز رغم حدة الخلافات التي تفاقمت بينها وبين منصور الرحباني وأولاده، فقدم معها مسرحية (صح النوم) مجدداً في دمشق عام 2008 والتي عادت فيها فيروز للقاء الجمهور السوري على أرضه بعد غياب دام عشرين عاماً.

مسيرة أنطوان كرباج المسرحية متنوعة قبل تعاونه مع الرحابنة وبعدهم، وقد شهدت العديد من المحطات يبقى أشهرها في ذاكرة الجمهور اللبناني (الديكتاتور) تأليف عصام محفوظ وإخراج ميشيل نبعة 1972 إلى جانب تجربته الهامة مع المخرج يعقوب الشدراوي في (الأمير الأحمر) عام 1973 و(المهرج) تأليف محمد الماغوط عام 1974 و(المارسلياز العربي) عن نص للماغوط أيضا عام 1975  كما تعاون مع المسرحي روميو لحود في (بنت الجبل) مع سلوى قطريب 1977 و(نمرود) 1980

مع حسام تحسين بيك في فيلم (سيلينا) الذي أخرجه حاتم علي وصور بدمشق عام 2009

حضور تلفزيوني وإطلالات سينمائية

وقدّم كرباج عشرات الأدوار التلفزيونية فشارك في مسلسل (من يوم ليوم) للأخوين الرحباني وإخراج أنطوان ريمي في مطلع السبعينات. كما أدى دور “جان فالجان” في مسلسل (البؤساء) المقتبس عن قصة الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، ودور “المفتش” في مسلسل (لمن تغني الطيور) سنة 1976، وأيضاً دور “بربر آغا” في المسلسل الشهير الذي حمل اسم الشخصية سنة 1979. وفي السينما اللبنانية شارك كرباج في العديد من الأعمال السينمائية، أبرزها (سفر برلك) مع الأخوين رحباني والسيدة فيروز- إخراج هنري بركات 1968 و(نساء في خطر) سنة 1982، و(الصفقة) سنة 1984، وفي (امرأة في بيت عملاق) للمخرج زيناردي حبيس عام 1985 وفيلم (سيلينا) المقتبس عن مسرحية (هالة والملك) للأخوين رحباني، والذي أنتجه نادر الأتاسي وأخرجه حاتم علي عام 2009 وهذا كان آخر مشاركاته السينمائية.

مشوار عائلي ونهاية حزينة

تزوج أنطوان من الشاعرة والصحافية والرسامة (لور غريب) عام 1966 التي رحلت عام 2023  ولديه منها ثلاثة أولاد هم: (وليد، رولا، مازن)…. وقبل رحيلها كان قد فارقها إلى دار المسنين الذي كان قرار نزوله فيها نهاية حزينة أملاها المرض حيناً وظروف الحياة العائلية أحياناً… لكن سواء في الفن أو في الحياة الاجتماعية وتحت وطأة التقدم بالعمر والمرض، غاب كرباج المعروف بحسه الساخر بخلاف القسوة التي يبدو عليها في أدواره، غاب عن الساحة والأضواء والحياة العامة، واقتصر ظهوره على بعض الأدوار الصغيرة في مسلسلات لبنانية في العقد الأول من مطلع القرن الحالي قبل أن تغرب شمس مسيرته الفنية الزاخرة… وينجلي مشهد الرحيل الأخير عن شريط حافل من المجد الفني والذكريات التي لا تتصل بمسيرته الفنية هو فحسب، بل بمسيرة الفن في لبنان والمشرق في زمن كان يغتني بإسهامات متنوعة سارت على درب طويل من العمل الشاق قبل أن تصل إلى النجومية والأضواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى