الرأي العام

دلالات وقضايا | مهارات الاستماع والإسكات في قمَّة المنامة 2024

أحلى من تمر بغداد وأجمل من أخبار المنامة!

بقلم: مهنا بلال الرشيد.

لا يدلُّ عنوان هذا المقال دلالة حرفيَّة على مضمونه؛ لأنَّه لا يفرد مساحة كبيرة للحديث عن مهارات الاستماع للمتون العربيَّة من أجل فهم نصوصها واستيعاب كلمات بعض زعمائها، وإرغام بعض صغار متحدِّثيها على الصَّمت في حضرة الكبار إن لم يفهموا فقه العروبة، قبل تعلُّم أبجديَّتها وحروفها والإخلاص لمبادئها في وجه المعتدين على الشَّعب العربيِّ في غزَّة، والمعتدين على أبناء سوريا ببراميل الحشود الطَائفيَّة المتفجِّرة القادمة من مصانع الدَّمار وسراديبه جنوب لبنان أو شرق أصفهان لقتل الأطفال والنِّساء والشُّيوخ والهيمنة على هذا البلد العربيِّ أو ذاك، من خلال دعم هذا الحزب الطَّائفيِّ داخل دولة عربيَّة أولى أو استلاب قرار الشَّعب بدعم وريث غير شرعيٍّ للسَّيطرة مقام الرِّئاسة في دولة عربيَّة ثانية.

لكنَّ هذا المقال لن يبخس التُّراث العربيَّ الجميل حقَّه، وكذلك لن يبخسَ القادةَ العرب المجتمعين في المنامة حقَّهم بالحفاظ على أمن بلادهم الَّتي يحكمونها، ولن ينزع منهم فخرهم بتاريخ أجدادهم العريق، بل يعترف لهم بفضلهم في نشر الكتابة بين الأمم منذ 3250 قبل الميلاد انطلاقًا من كلٍّ من دلمون وبابل وإيبلا وممفيس، ويثني هذا المقال على القادة المجتمعين لممارسة حقِّهم بحجب رفاهية القراءة-حرصًا على تلوُّث الأسماع-عن كلِّ وريث عاقٍّ بأهله وعروبته ممَّن لا يعرف حكمة الصَّمت، ولا يجيد وضع النُّقاط على حروفها ولا إخراج أصوات الحروف العربيَّة من مخارجها، ولا يعرف كيف يصون حقَّ الأطفال العرب في سوريا بالعيش الكريم بعد حوَّلت براميله المتفجِّرة مدارسهم إلى رُكام، وهدَّمت بيوتهم وهجَّرتهم من إدلب وحلب وحمص وحماة ودرعا والشَّام.

سُلطة القراءة والكتابة والاستماع في القمَّة العربيَّة في المنامة أيَّار 2024

في البحرين أو في (جزيرة أوال أو مملكة دِلمون؛ وهما اسمان تاريخيَّان قديمان لمملكة البحرين)، وغير بعيد عن قاعة قصر المؤتمرات الَّتي عُقدت فيها قمَّة المنامة، عثر دوراند على نقش مكتوب بالحرف المسماريِّ، يرجع تاريخ كتابته إلى حوالي 1800 قبل الميلاد، ويدلُّ هذا النَّقش على أنَّ دِلمون هو الاسم القديم لمملكة البحرين، ويؤكِّد أنَّ العرب عرفوا الكتابة ومارسوها كنوع من السُّلطة الثَّقافيَّة، وحقٍّ من حقوق التَّعبير عن الموقف والرَّأي منذ سالف الأزمان، حتَّى لحظة إعلان البيان الختاميِّ لأعمال القمَّة العربيَّة في 16 أيَّار الجاري 2024، حيث دعا المجتمعون في بيانهم الختاميِّ إلى إنهاء العدوان الإسرائيليِّ على أهلنا المدنيِّين العُزَّل من أبناء الشَّعب الفلسطينيِّ في غزَّة، وطالبوا بحلِّ الدَّولتين لحماية حقِّ الفلسطينيِّين الطَّبيعيِّ بالعيش الآمن والكريم في وطنهم، كما ناقش القادة العرب المجتمعون في المنامة مجمل القضايا العربيَّة الرَّاهنة. 

هكذا أسكتوا بشار

حدَّد منظِّمو قمَّة المنامة في البحرين بحسب وكالة (سانا)؛ أي وكالة نظام بشَّار الأسد الرَّسميَّة للأنباء مدَّة ثلاث دقائق لكلٍّ مشارك يُريد الحديث؛ وبهذه الطَّريقة مارس المنظِّمون على بشَّار الأسد سلطتهم وحقَّهم في عدم الرَّغبة بالإصغاء أو الاستماع إلى زَبَد أحاديثه الفارغة؛ وأجبروه على الصَّمت، ومع أنَّهم منحوا غيره من المشاركين وقتًا كافيًا للحديث والتَّعبير عن مواقفهم فقد قال لسان حال هذا الأسلوب التَّنظيميِّ المتميِّز جدًّا للمجرم بشَّار الأسد بشكل أو بآخر: نحن لسنا أعضاء اللَّجنة المركزيَّة للجناح السُّوريِّ في حزب البعث حتَّى نستمع لك ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، ستمضي نصفها أو أزيد من ذلك لتوضيح الواضح وتفسير المفّسر، ولدينا أعمال وشعوب تنتظرنا، نحن ليس لدينا القدرة على النَّوم والتَّثاؤب أمامك وأمام الكاميرات على طريقة مَن أتيت بهم مِن المترفين بأوقات الفراغ والمغبونين بها وبك؛ ليجلسوا أمامك وتخطب بهم، وتتحدَّث لهم ببلاهة فريدة عن صواريخ الثَّور والثَّورة، وتعلن على مسامعهم انتهاء مهزلة الانتخابات بمهزلة الإجماع، الَّتي يعرفونها قبل جَلبِهم إليك، ولو استطعت تأمين مَن يُصغي إليك في المنامة سنعطيك قاعة للحديث مع مَن يوافق على الاجتماع بك؛ لتبقى المسألة مسألة ضمير وهذا ما التقطته مشكورة رئاسة العراق بشكل لمَّاح، حيث استفادت من اجتماعها مع بشَّار الأسد، وأخذت منه، أو تنازل لها عن تنظيم القمَّة العربيَّة القادمة؛ لتكون في بغداد 2025؛ وفي هذا التَّحويل من دمشق إلى بغداد خير عميم للعرب والقيم الإنسانيَّة كلِّها؛ كيلا تخون عائلة الأسد أمانة المجلس والاجتماع مرَّة أخرى!

 ولأنَّ المجالس بالأمانات سجَّلت عائلة الأسد سِرًّا ودون علمهم بعضًا من أصوات القادة المتباحثين والمجتمعين في قمَّة (بِمَن حضر) في دمشق (2008)، ونشرت بعض هذه التَّسجيلات السِّرِّيَّة من المطعم وخيمة القذَّافي بعد موته؛ بطريقة تكشف عن انتهازيَّة هذه العائلة؛ لتتفوَّق بأسلوبها الخبيث على أسلوب حسن الصَّبَّاح في الاغتيالات؛ وتتفرَّد هذه العائلة بين البشر جميعهم بقدرتها اغتيال المتوفَّى مرَّة ثانية من خلال نشر حديثه المسجَّل سرًّا بعد موته.

صورة بشَّار الأسد وصحيفة المتلمِّس الضُّبعيِّ

انتشرت من قمَّة المنامة صورتان لبشَّار الأسد، ظهر في واحدة منها في الصُّورة الجماعيَّة للقادة في ختام القمَّة، وبدا فيها وهو يقف بجوار الشَّيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، ولا يمكن لعاقل إلَّا أن يتذكَّر خلال لحظة التقاط هذه الصُّورة أو مشاهدتها ذلكَ الحديث المسجَّل سرًّا، الَّذي سرَّبته عائلة الأسد للأمير الوالد حمد آل ثاني مع رئيس ليبيا السَّابق معمَّر القذَّافي. وإن انعكست ملامح القلق والاضطراب على جسد بشَّار الأسد خلال الصَّورة الجماعيَّة بسبب أفعاله المشينة بتسجيل الأحاديث سرًّا فقد بدت على وجهه ملامح الكبت والغيظ، وهو يضع على أذنيه أجهزة الاستماع، ويغلق فمه بطريقة غريبة خَلْفَ المسماع أو مكبِّر الصَّوت المخصَّص للوفد الَّذي سيمثِّل الشَّعب السُّوريَّ بعد الخلاص من عائلة الأسد المجرمة في قمم عربيَّة قادمة.

بشار الكيماوي الممتعض: أَشأم من صحيفة المتلمِّس

ذكَّرتني صورة بشَّار الأسد في قمَّة المنامة بقصَّة صحيفة المتلمِّس الشَّهيرة؛ وفيها قالت العرب: (أَشأم من صحيفة المتلمِّس)، وتروي أخبار هذه الصَّحيفة أنَّ شاعرا العرب والبحرين قبل الإسلام: المتلمِّس الضُّبعيَّ وابن اخته طرفة بن العبد قد قاما بهجاء عمرو بن هند ملك الحيرة هجاء مقذعًا، ثمَّ شاءت الأقدار أن يزور هذان الشَّاعران الملك في قصره، وبعد الزِّيارة زوَّد الملك الشَّاعرين بكتابين مختومين بالطُّغراء، وأخبرهما بأنَّ الحارث العبديَّ والي البحرين سيصرف لهما مكافأة ماليَّة بعد المصالحة مع الملك عند عودتهما إلى البحرين؛ وعلى الطَّريق خاف المتلمِّس؛ ففضَّ الخاتم عن كتابه، وقرأه له غلام من غلمان الحيرة؛ وقال له: ثكلتِ الملمِّسَ أمُّه؛ فعرف أنَّ الملك أمر بقتله؛ فألقى الصَّحيفة في ماء النَّهر، والتجأ عند أهل بصرى الشَّام في درعا من أعمال حوران، وقال:

وألقيتُها بالثَّني من جنب كافرٍ    كذلك أقنو كلَّ قطٍّ مضلِّلِ

رضيتُ لها بالماء لمَّا رأيتُها      يجول بها التَّيَّار في كلِّ جدولِ

وقال المتلمِّسُ لابن أخته طرفة بن العبد: إنَّ الَّذي في صحيفتك مثل الَّذي في صحيفتي؛ فقال طرفة: إن كان اجترأ عليك فلم يكن ليجترئ عليَّ؛ ثمَّ وصل طرفة البحرين، وقُتِل بأمر صحيفته الَّتي حمَلها بيديه بعد قراءتها؛ فضربت العرب مثلًا بصحيفة المتلمِّس؛ وقالت: أشأم من صحيفة المتلمِّس!

رَحَّلَتْ صحيفةُ المتلمِّسِ صاحبَها من الحيرة إلى الشَّام، ونقلت ابنَ أخته طرفة بن العبد من الدَّار الدُّنيا إلى الدَّار الآخرة، وزوَّدتنا بمثل عربيٍّ تراثيٍّ جميل، وأسكتَتْ قمَّةُ المنامةِ بشَّار الأسد، ونقلت القمَّةَ العربيَّة القادمة من دمشق إلى بغداد، ورفعت منسوب التَّفاؤل عند السُّوريِّين المظلومين، وإن ذكَّرتهم هذه القمَّة بالمثل العربيِّ القائل:

إن كان صدرُ هذا اليوم ولَّى             فإنَّ غدًا لناظره لقريب

فهل ستبارك قمَّة بغداد 2025 القادمة للسَّوريِّين خلاصهم من حُكم عائلة المجرمين؛ ليصوغوا مثلًا عربيًّا جديدًا، ستردِّده الأجيال، وتضحك، وتقول: هذه أخبار: (أحلى من تمر بغداد وأجمل من أخبار المنامة)!

زر الذهاب إلى الأعلى