أرشيف المجلة الشهرية

في مشقيتا.. وبين أنفاس بحيراتها

د. فطيم دناور – العربي القديم

ليس مصادفةً أن يكون الرقم سبعة منظِّماً للظواهر الكونية الكبرى، فالكواكب سبعة، والسماوات سبع، والأرضون سبع، والأيام سبعة… وليس مصادفة أن يكون العدد ذاته هو المنظم لكثير من تضاريس الجغرافيا السورية، فروافد بردى سبعة، وأبواب دمشق سبعة، وبحيرات حلب سبع… ولا تخرج اللاذقية درة الخارطة السورية عن هذه القاعدة، ففي جبالها تترقرق البحيرات السبع في منطقة “مشقيتا” الساحرة.

عندما شرعت بكتابة هذا المقال، تجنبت البحث في جوجل؛ حتى يكون كل ما أكتبه، مما حفظته الذاكرة من انطباعات وصور، وغير خافٍ أن الصورة النمطية للاذقية، تتمحور في تلك المدينة التي تتمدد على شاطئ البحر، يقصدها المصطافون، وهواة السباحة، وركوب الزوارق، وهو ما تحتفظ به ذاكرتي، بعد رحلة مدرسية اشتركت فيها، وأنا في الصف الرابع الابتدائي، وكان ذلك أول، وآخر عهدي بهذه المدينة وريفها حتى 2008، إذ قصدتها في رحلة مع الأسرة، سرنا فيها على هدى تدوينة كتبها مواطن خليجي، وثّق خط سيره في المحافظة توثيقاً دقيقاً، شمل الطرقات، والمعالم والتضاريس، وحتى الأسعار.

أقمنا في كسب البديعة، ومنها انطلقنا باتجاه الجنوب متبعين لوحات الطرقات، وما لدينا من معلومات من المدوّنة إياها، في تلك الطرقات لا يجرؤ الضجر على الاقتراب من شعورك؛ فتارة يغشي المكان سحب من الضباب البارد (في وقت كانت أغلب مناطق سورية تلظّى من شدة الحرّ)، وتارة يتكشف الضباب، فيظهر وادٍ مكسوٌ بأشجار البلوط، والصنوبر الطبيعي، وقد تبدو بحيرة هنا أو هناك، وعلى جانبي الطريق يقف بائعون قرويون يعرضون ما لذَّ وطاب من فاكهة تلك المناطق العضوية الطازجة، فرمانٌ، وتينٌ، وتوتٌ، وسفرجلٌ، وعنب… وتمرُّ بين الفينة والأخرى بقروية جبلية تقف على تنورها الملتهب، تفوح منه رائحة المناقيش، والخبز المحمّر (خبز الفليلفة)، فيداهم الجميع جوعٌ وشرهٌ إلى ذلك الخبز الأثير عند السوريين.

ثم تنغمس المركبة في جنان لا يحيط بها تصورٌ، إلّا في عالَم الخيال الجامح، في “السريالية” يعمد الفنان إلى الغوص في متاهات الخيال، أنت هنا في قلب تلك المتاهات، ولكنها متاهاتٌ طبيعيةٌ، تشعل حواسك كلها، حتى تنتهي بك إلى شواطئ مياه عذبة، لم تلوثها يد البشر، قيل لنا هذه البحيرات السبع، وقفنا نتأمل كيف رسمت الأشجار والأعشاب، ومسارات المشي لوحاتٍ طبيعيةً، لا يمكن للوحة فنية أن تضاهي جمالها رغم أنف “هيغل”.

كلّ شبر في ذلك المكان يدعوك للتأمل، الخضرة والطرق الترابية، والمساحات المائية، لا خلل ولا نقص، بل كل شيء مرسوم بإتقان، يخطفك من حاضرك، ويأخذ بيدك في نزهة روحية في تفاصيل يتشبث بها الانتباه، ولا يتركها ثانية واحدة، بل يعمل بأقصى طاقاته على تأمل ذلك السحر. أنت هنا بين يدَي صاحبة الجلالة سيدة الجمال الأولى (الطبيعة)!

طفنا حول أكثر من ضلع من الأضلع المائية، حتى وجدنا طريقاً للقوارب، فركبنا أحدها، مع شاب ريفي موشوم العضلات، يرتدي ثياباً صيفية فاقعة الألوان، يرحب بك بلهجته الجبلية، ثم ينطلق بقاربه انطلاقة حماسية، على أنغام الأغاني الجبلية المنبعثة من مكبرات الصوت، وقد يحصل تصادم بين أصوات الأغاني الصادرة من مكبرات قوارب أخرى، حين تقترب من بعضها بعض.

مررنا على شاطئ منساب، يطفو عليه قارب، صُمّم تصميماً فينيقياً بديعاً، قال لنا الشاب إنهم صوّروا به مسلسلاً فانتازياً هنا، وكانوا يستعملون هذا القارب، وقارباً آخر، بالإضافة إلى أكواخ من القش كانوا يستخدمونها للغرض ذاته، فرح الأطفال بهذا، وكانوا يفرحون حين نمر بموقع تصوير لمسلسل ما، يشعرون بالتفاعل مع المسلسل وشخوصه، وكانت خيام الشبان المصطافين قماشية، أو من مواد طبيعية ممتدة على مسافة من شواطئ البحيرات.

ظلت أعيننا ترقب هذه المشاهد، انغمسنا في المسطحات المائية، وراح القارب يجوب بنا في عوالم بعيدة، في أحضان طبيعة منعزلة حانية وهادئة، تهمس لك، فيما يشبه القول: أنت هنا في الجنّة. في تلك المنعطفات الساحرة، غاب صوت الأغاني رغم صخبها، وصمت الجميع، حتى الأطفال، فدخلت في لحظات اتصال مع الطبيعة، كما يحدث لشاعر في لحظات الإلهام، أو كما يحصل في لحظات الارتقاء في مسالك التجلّي عند الصوفي، أنا هنا في قلب الوجود السيّال الذي خبرنا به ابن سبعين، كل شيء يرتّل، ويشدو بأصوات تصل القلب، من دون أن تمرّ بالآذان، تلقٍّ حدسيّ يتجاوز حدود الجسد، ويحلق بالروح حتى تلامس حواشي الغيوم.

هل هذا خشوعُ الدّهشة أمام الرؤية البكر التي لم يعطلها الاعتياد، الهموم والآلام والخيبات، وكلّ ما يعكر النّفس والذّهن مقيدة في مكان بعيد، والذهن في صفاء وطهر، كأنه خلق للتّو، في هذا المكان تهيم روحك في عوالم لا حدود لها، ولا ألوان، ولا ملامح، تتجاوب مع أرواح تملأ المكان تحس بها، وتشعر بألفتها وحنوّها.

 كان القارب يقطع بحيرة تلو الأخرى، تماماً كما نشاهد في عالم الرسوم المتحركة، فتبدو كأنها كواكب مائية متصلة، لا يفصل بينها حد… بقيت على هذه الحال حتى بدت النقطة التي انطلقنا منها، فقطع صوت الشاب اتصالي الروحي بالقول: “وصلنا، الحمد لله على السلامة”.

قيل: إن الذاكرة تنسى الأحداث لكنها لا تنسى الانطباعات، ولذلك يقرُّ المبدعون بأنَّ إبداعاتهم ترجع لحوادث جرت قبل سنين، وبمثل ذلك، فإن الانطباع الروحي والخيالي لتلك الرحلة -التي قيل لنا في ما بعد إنها استغرقت خمساً وأربعين دقيقة- حفر بإحساساتي كلحن أوغاريتي خالد، بل أكثر من ذلك، بتُّ إذا تجوّلت في منطقة جبلية أو مائية في مكان من العالم، تحضر في روعي مشقيتا، وبحيراتها السبع، فهل يا تُرى يكتب لنا الزمان عودة؟

وإن عدنا، هل تحظى المراكب بسائق مركب مدرب على مثل هذه الرحلات، ومعه عازف آلة هادئة تناسب المكان، أو يشغل موسيقى هادئة، تساعد الراكب على الاستجمام الروحي، وهل تحظى مشقيتا بوحدات سكنية يبيت فيها الزائرون، وهل تُنظّم طرقها، وتُعبّد، فتسهل حركة المصطافين، وهل يُوفّر لها أدلاء سياحيون يرشدون الزائرين، ويحكون لهم تاريخ تلك البقعة؟

 هل يأتي يوم، وتُستثمَر تلك الجنان البكر، فتكون إحدى مناطق الجذب للسياحة، كما في الدول التي باتت مثل تلك المناطق علامات تميزها بين الدول؟

___________________________________

من مقالات العدد الثاني عشر من (العربي القديم) الخاص باللاذقية – حزيران/ يونيو 2024

لقراءة العدد كاملاً اضغط هنا.

زر الذهاب إلى الأعلى