أرشيف المجلة الشهرية

أسطورة الصبر السوري

محمد منصور 

كثير من مفاهيم الحياة والمجتمع والعمل السياسي الشائعة في العالم، تكتسب أبعاداً مختلفة يصعب فهمها وتحليلها، حين تطبق على سورية في ظل حكم الأسد. من هنا يبدو أي حكم يتناول الحياة السياسية السورية لا يفهم ولا يعي طبيعة نظام الأسد الشمولية الديكتاتورية الإجرامية المنفلتة من النظم والقوانين، هو حكم قاصر ويكاد يكون ضالا مضللا.

وقد توقفت مطولا عند عبارة وردت في مقال للكاتب اللبناني سمير عطالله في زاويته اليومية في (الشرق الأوسط) السعودية، يصف فيها الراحل رياض الترك بأنه:  “كانت للرجل سمعة الصالحين أكثر من سمعة الثوار. فقد كانت سيرته الإنسانية أعلى بكثير من تصنيفٍ حزبيّ أو مرتبة سياسية”… لأتساءل عن مدى معرفة الكاتب الذي يعلي من سيرة رياض الترك الإنسانية، ويغمز من مرتبته السياسية، إن كان يعرف ما هو مفهوم السياسة في عهد الأسد الأب ووريثه الابن، بعد تحويل الجمهورية بجرة قلم إلى جملوكية.

روى حمود الشوفي، مندوب سوريا في الأمم المتحدة الذي أعلن انشقاقه عن النظام في قلب الأمم المتحدة عام 1979، روى للباحث حنا بطاطو رؤية حافظ الأسد للسياسة فقال:

“قالي لي حافظ الأسد عام 1971 الناس لهم مطالب معيشية في الدرجة الأولى، ونستطيع تلبية تلك المطالب بشكل أو بآخر، وهناك مئة أو مئتان بالأكثر ممن يعملون جدياً بالسياسة او يتخذون منها مهنة لهم، وهؤلاء سيكونون ضدي مهما فعلت، وإن سجن المزة أصلاً بني من أجل هؤلاء”.

انطلاقا من هذه الرؤية القطيعية البهيمية، التي أرادها هذا الدكتاتور للسوريين، والتي لا هوامش فيها ولا إمكانية للحوار، سجن حافظ الأسد رياض الترك 18 سنة في زنزانة منفردة، وكان يأمل ألا يخرج منها إلا إلى القبر، لولا أن هناك من نبهه أثناء الإعداد لزيارة باريس عام 1998 أن اليسار الفرنسي يحضر لمظاهرات ضده للمطالبة بالإفراج عن رياض الترك، وأن شيراك نفسه لا يستطيع أن يمنع الفرنسيين من أن يصفوه بالديكتاتور في مظاهراتهم، فقرر ألا يفسد زيارته التاريخية، ظاناً أنه سيفرج عن شخص محطم لن يقوى على رفع رأسه. قبل أن يكتشف الجميع أن رياض الترك هزم السجن والسجان، وأبدع أسطورة الصبر السوري على الطغاة.

بهذا المنطلق وفي ظل هذا النظام، يمكن للأستاذ سمير عطالله أن يطلق لخياله العنان، كي يتخيل أنه لو عاش هو نفسه في ظل هذا النظام، ولم يكن بوقاً أوحذاء، كما كان رؤساء الصحف الرسمية الثلاث، ومديري باقي المؤسسات الإعلامية السورية، وأراد أن يكون صحفيا حراً، أو سياسياً نزيها، فأين سيجد مصيره؟ وما سيكون حجمه؟!

إن “العربي القديم” لتفخر بأن تقدم هذا المحور الخاص عن السياسي السوري الكبير رياض الترك في عددها هذا، مساهمة سورية خالصة، تحمل احتفاء أبناء البلد بواحد من أبطاله ومناضيله، توثق سيرته، وتناقش تجربته، وتبرز معاني وصور تكريمه، وزمن الحرية الذي كان يأمل أن يصنعه، دون أن يتخذ الحديث عنه اتجاها أحادياً يخشى من رقيب يريد أو لا يريد، ودون أن تغفل الجانب النقدي في قراءة تجربته السياسية والإيمان بقيمها الحرة الشجاعة التي أرساها الترك بصبر أسطوري لا ينسى.   

____________________________________

زاوية رئيس التحرير – من مقالات العدد التاسع من مجلة (العربي القديم) الصادر عن شهر آذار/ مارس 2024

زر الذهاب إلى الأعلى