الرأي العام

مخاطر تعيين أعضاء مجلس الشَّعب في الإعلان الدُّستوريِّ

إنَّ هذه الخطوة لو حصلت ستؤكِّد أنَّ الثَّورات يشعلها أصحاب النَّخوة، ويضحِّي بها الشُّرفاء، ويقطف ثمارها مسِّيحة الجوخ والانتهازيُّون

د. مهنا بلال الرشيد- العربي القديم

وقَّع السَّيد أحمد الشَّرع رئيس الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة على الإعلان الدُّستوريِّ في الثَّالث عشر من آذار-مارس 2025 الموافق للثَّالث عشر من رمضان 1446 هجريَّة؛ وذلك من أجل تنظيم الحياة السِّياسيَّة وقيادة المجتمع السُّوريِّ خلال المرحلة الانتقاليَّة في السَّنوات الخمس القادمة من تاريخ الجمهوريَّة العربيَّة السُوريَّة، وسيكون فيها هذا الإعلان الدُّستوريُّ دستور الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة المؤقَّت. وقد أنجز بنود هذا الإعلان الدُّستوريِّ المؤقَّت لجنة من الأكاديميِّين المختصَّين ومن المشهود لهم بالكفاءة، واستندوا في بنود هذا الإعلان إلى كلٍّ من خطاب النَّصر ومخرجات الحوار الوطنيِّ وتوصيات لجنته التَّنسيقيَّة الصَّادرة بتاريخ 25 شباط-فبراير 2025.  وبرغم ذلك أعرب السُّوريِّون على مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ عن مواقف متباينة إلى حدِّ التَّناقض أحيانًا تجاه بعض المواد الإشكاليَّة بين ثلاث وخمسين مادَّة دستوريَّة يتشكَّل منها هذا الإعلان الدُّستوريُّ، وتنقسم موادُّ هذا الإعلان إلى أربعة أبواب رئيسة، يسبقها مقدِّمة تعدُّ جزءًا لا يتجزَّأ من نصِّ الإعلان الدُّستوريِّ نفسه؛ والأبواب هي: (الباب الأوَّل: أحكام عامَّة، الباب الثَّاني: الحقوق والحرِّيَّات، الباب الثَّالث: نظام الحكم خلال المرحلة الانتقاليَّة، الباب الرَّابع: الأحكام الانتقاليَّة).

إشادة شعبيَّة تجاه بعض الموادِّ الدُّستوريَّة وانتقادات واسعة تجاه أخرى

حظيت المادَّة الأولى، الَّتي تحدَّد اسم (الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة) بنقدٍ جاء معظمه من المواطنين الكُرد، بعد أن دعا بعض القوميِّين منهم إلى اعتماد اسم (الجمهوريَّة السُّوريَّة) بذريعة أن توصيف الجمهوريَّة السُّوريَّة بصفة (العربيَّة) يثير حساسيَّة تجاه عواطفهم القوميَّة الكرديَّة، ويجعلهم -بحسب تعبير القوميِّين منهم- مواطنين من الدَّرجة الثَّانية، وهذه قضيَّة إشكاليَّة يكمن حلُّها الدُّستوريُّ في المستقبل بالتَّصويت الشَّعبيِّ عليها؛ لأنَّ معظم العرب (السُّنَّة والشَّعية والعلويِّين والإسماعيليِّين والدُّروز والمسيحيِّين) يعتزُّون بعروبتهم، ويرفضون تخلِّي المشرِّع عن توصيف (الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة) بأنَّها جمهوريَّة عربيَّة؛ ومن هنا ليس بمقدور المكوِّن الشَّعبيِّ أو الاجتماعيِّ الأقلِّ إلَّا أن يحترم إرادة المكوِّن أو المكوِّنات الاجتماعيَّة الكبرى حتَّى يجري التَّصويت الشَّعبيُّ، الَّذي يحلُّ هذه الإشكاليَّة، لا سيَّما أنَّ جيراننا في إقليم كردستان-على سبيل المثال-يسمُّون إقليمهم (إقليم كردستان) تسمية عرقيَّة أو قوميَّة واضحة ودون أيِّ صفة أخرى ونزولًا عند رغبة الأكثريَّة فيها ودون أيِّ مراعاة لإرادة الأقلِّيَّات الأخرى في الإقليم، وفي المحصِّلة هذا حقٌّ ديمقراطيٌّ للأكثريَّة؛ لأنَّ النِّظام الدِّيمقراطيَّ نظام أكثريٌّ يخوَّل الأكثريَّة حكمَ الأقلِّيَّة حتَّى لو حقَّقت أغلبيَّة واحد بالمئة أو أقلَّ من واحد بالمئة.

ويبدو أنَّ شكل علم الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة قد حظي بإجماع شعبيٍّ؛ لأنَّه علم الثَّورة أو العلم الَّذي رفعه الثُّوَّار منذ انطلاق ثورة آذار-مارس 2011 حتَّى انتصار الثَّورة في الثَّامن من كانون الأوَّل-ديسمبر 2024. وكذلك يُحسب للجنة الإعلان الدُّستوريِّ صونها حرِّيَّة الاعتقاد والتَّعبير عن الرَّأي والمساواة بالمواطنة والحقوق والواجبات أمام القانون بين الأعراق والطَّوائف كلِّها دون تسمية أيٍّ منها مع الحفاظ على التَّنوُّع الثَّقافيِّ والتَّعايش السِّلميِّ بين مكوِّنات الشَّعب السُّوريِّ بالإضافة إلى ضمان حقوق المرأة وحرِّيَّة التَّعبير والإعلام والصَّحافة من خلال بنود دستوريَّة واضحة وصريحة. ويبدو لي أنَّ البند الثَّاني من المادَّة التَّاسعة الَّذي يحصر إنشاء الفصائل المسلَّحة وتسليحها بيد الدَّولة بندٌ يعزِّز السِّلم الأهليَّ من خلال حصر السِّلاح بيد الدَّولة، كما يبدو أنَّ بند مكافحة الفساد يؤسِّس لمستقبل جيِّد، لكنَّ لجنة مكافحة الفساد البرلمانيَّة في مجلس الشَّعب وما يتفرَّع عنها من لجان أخرى يجب أن تستند إلى شرعيَّة (انتخابيَّة ديمقراطيَّة شعبيَّة)؛ ليتمكَّن أعضاؤها من القيام بهذه المهمَّة الصَّعبة جدًّا في المستقبل بعيدًا عن المحسوبيَّات والشِّلليَّة والواسطات والانتقائيَّة.

مشكلات الباب الثَّالث المتعلِّقة بنظام الحُكم

لن أقول: (ما هكذا تورد-يا سعد-الإبل) في معرض حديثي عن مشكلات بنود الإعلان الدُّستوريِّ المتعلِّقة بنظام الحكم والفصل بين كلٍّ من السُّلطة التَّشريعيَّة الأولى (مجلس الشَّعب) والسُّلطة التَّنفيذيَّة الثَّانية (مجلس الوزراء) والسُّلطة القضائيَّة الثَّالثة (تعيين أعضاء المحكمة الدُّستوريَّة مثلًا)، حيث بدا للمتابعين أنَّ بنود هذا الإعلان لا تفصل بين هذه السُّلطات إلَّا فصلًا شكليًّا، حيث تلتقي هذه السُّلطات كلُّها عند موقع رئيس الجمهوريَّة، الَّذي أتاح له مشرِّعو الضَّرورة (لجنة الإعلان الدُّستوريِّ) أن يلغي منصب رئيس مجلس الوزراء (رئيس السُّلطة التَّنفيذيَّة)، ويعيِّين ثلثَ أعضاء مجلس الشَّعب، ويشكِّل الهييئات النَّاخبة لاختيار الثُّلثين الباقيين من أعضاء هذا المجلس، ويختار أعضاء المحكمة الدُّستوريَّة وأعضاء المجالس والهيئات العليا في الدَّولة، ولم يعطِ المشرِّع في الإعلان الدُّستوريِّ للسُّلطتين التشَّريعيَّة والقضائيَّة  الحقَّ في ممارسة دورهما في الرَّقابة على السُّلطة التَّنفيذيَّة أو محاسبتها أمام القضاء.

لا تخلو بنود الإعلان الدُّستوريِّ في الباب الثَّالث المتعلِّقة بشكل الحكم في الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة خلال المرحلة الانتقاليَّة من مشكلات كثيرة، وأبرز هذه المشكلات-من وجهة نظري-هو مصادرة حقِّ الشَّعب باختيار ممثِّليه في (مجلس الشَّعب) بذريعة تعذُّر إجراء الانتخابات في المرحلة القريبة القادمة؛ ولذلك فوَّض المشرِّع رئيس الجمهوريَّة بتمسة ثلث أعضاء مجلس الشَّعب مع تشكيل لجان ناخبة لاختيار الثُّلثين الباقيين، وفي هذا التَّفويض مصادرة لحقِّ الشَّعب في الانتخاب والمشاركة، وبرغم النَّوايا الحسنة لدى مشرِّعي الإعلان الدُّستوريِّ وحرصهم الواضح على مكتسبات الثَّورة ومستقبل الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة ومواطنيها كلَّهم فإنَّهم حرموا مقام رئاسة الجمهوريَّة من التَّأييد الشَّعبيِّ بالانتخابات، كما سُتفقِد تعييناتُ أعضاء مجلس الشَّعب موقعَ رئيس الجمهوريَّة ذاته مع السُّلطات التَّشريعيَّة والتَّنفيذيَّة والقضائيَّة المرتبطة به أو المنبثقة عنه كثيرًا من رصيدهم الشَّعبيِّ أو رصيدهم الثَّوريِّ أيضًا، وفي هذه المرحلة تحديدًا يحتاجون إلى زيادة هذا الرَّصيد والاستقواء بالتَّفويض الشَّعبيِّ من خلال الانتخابات على كلِّ ملمِّة قد تحصل في المستقبل، حتَّى وإن جرت هذه الانتخابات البرلمانيَّة في ظروف صعبة أو كانت انتخابات جزئيَّة، حتَّى وإن تعذَّر إجراء الانتخبات في بعض القرى والمدن، أو حتَّى وإن انخفضت نسبة المشاركة الشَّعبيَّة في بعض القرى والمدن، وكانت دون عتبة (20 بالمئة) على سبيل المثال، حتَّى وإن شابت هذه المعوِّقات كلُّها عمليَّة اختيار السُّلطة التَّشريعيَّة فإنَّ حَسنات انتخاب أعضاء مجلس الشَّعب أفضل بكثير من عواقب التَّعيين ومآلاته في مرحلة يكثر فيها المشكِّكون بالإعلان الدُّستوريِّ وبكلِّ خطوة تخطوها الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة نحو الأمام.

أوَّل حسنات الانتخاب هو الاحتكام للمواطن السُّوريِّ حتَّى وإن كان يعيش في المخيَّم، أو إن كان يعيش في قرية مدمَّرة أو حيٍّ مدمَّر، أو كان يقطن في بلاد المهجر، فيمكنه الانتخاب من خلال السَّفارات والقنصليَّات، وعندما تشترك المدن السُّوريَّة بإنتاج ممثِّليها من خلال الصَّناديق لا من خلال تزكيات الشِّلل والعوائل وهيئات الائتلاف المنبوذة بعد أربعة عشر عامًا من الثَّورة سيكون الشَّعب خلف البرلمان وأعضائه المنتخبين، ولن تشهر الجماهير سياطها ونقدها بوجوههم عند كلِّ قرار يتَّخذونه فيما لو كانوا معيَّنين من قبل رئيس الجمهوريَّة أو الهيئات النَّاخبة، وإن تعذَّر إجراء الانتخابات أو كانت عتبة المشاركة فيها دون الحدِّ المقبول (أقلِّ من 20 بالمئة من النَّاخبين المسجِّلين قبل الانتخابات) في أيِّ حيٍّ أو مدينة أو قرية فعندها يمكن لرئيس الجمهوريَّة أن يتواصل مع أعيان هذه المنطقة، ويختار ممثِّليهم، وبالتَّشاور معهم، وليكن هؤلاء الأعضاء ثلث أعضاء مجلس الشَّعب أو نصفه، فلا مشكلة في ظلِّ توفُّر الذَّريعة القانونيَّة لاختيارهم أو تعيينهم، ولو حصلت هذه الانتخابات برغم صعوبتها ومعوِّقاتها فإنَّها ستبقي الحدَّ المقبول من الشَّعب خلف البرلمان والحكومة والقضاء ومقام الرِّئاسة؛ لأنَّه شعر بالمشاركة الحقيقيَّة بعيدًا عن تعيين الانتهازيِّين ممَّن يُجيدون التَّقرُب من كلِّ سلطة أو التَّطبيل لها، حتَّى وإن شاب الانتخابات بعض الشَّوائب؛ فهذا أفضل من وجود شلل الانتهازيِّين ومسِّيحة الجوخ والرَّاكضين وراء المناصب ممَّن ضمنوا إلى حدٍّ ما مواقع لهم أو لأعضاء شللهم في بعض مواقع الدَّولة وبين أعضاء مجلس الشَّعب، إن عُيِّن أعضاؤه، أو إن انتخبت أعضاءه لجانٌ مكلَّفة بهذا الانتخاب. وينفر السُّوريُّون من كثير من أعيان أو وجهاء الأمر الواقع خلال أربعة عشر عام من الثَّورة، أولئك الَّذين لم يستمدُّوا شرعيَّتهم أو وجاهتهم من خلال الانتخابات، وما نفور السُّوريِّين من كثير من أعضاء هيئة التَّفاوض وأعضاء الائتلاف وحكومته المؤقَّتة و(أعضاء الجبهة الوطنيَّة التَّقدُّميَّة) المعيَّنين سابقًا في مجلس الشَّعب إلَّا دليل على فقدان تلك الوجاهات رصيدها الشَّعبيَّ وتحوُّلها إلى سلطات أمر واقع، وبالانتخابات ستفقد تلك الوجاهات شعبيَّتها أو تحظى بالموافقة الانتخابيَّة عليها، حتَّى وإن شابت الانتخابات شائبة ما، سيشعر المواطن السُّوريُّ في المخيَّم والوطن والمهجر عن الرِّضا على الحكومة وباقي السُّلطات المنبثقة عنها بعد إجراء الانتخابات واحترام نتائجها.

خطوة أولى يمكن الاستفادة منها إن لم تتجاوزها الأيام

أعطى المشرِّع في الإعلان الدُّستوريِّ لرئيس الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة حقَّ تعيين ثلث أعضاء مجلس الشَّعب بسبب الخشية من تعذُّر إجراء الانتخابات، ويبدو لي أنَّ هذا المشرِّع بسبب مخاوفه المبالغ فيها من إجراء الانتخابات قد فتح الباب لِتَفْقُدَ السُّلطات التَّنفيذيَّة الرَّاهنة مع موقع رئاسة الجمهوريَّة من خلاله كثيرًا من شرعيَّتها الثَّوريَّة ورصيدها الشَّعبيَّ الكبير جدًّا بدلًا من استثماره أو زيادته أو البناء عليه بعد الشَّعبيَّة الجارفة الَّتي حصلوا عليها بسبب تحريرهم سوريا من عصابات البعث مع عصابات المجرم المخلوع من عائلة الأسد، وهذه -من وجهة نظر كثير من المتابعين- خشية غير واقعيَّة أو غير مبرَّرة، تحمِّل المشرِّع وموقع رئاسة الجمهوريَّة تبعات هم بغنى عن تحمُّلها، حتَّى وإن وصلوا إلى قناعة تامَّة بتعذُّر إجراء الانتخابات في كثير من بُقع الجغرافية السُّوريَّة، ويمكنهم الآن أو في القريب العاجل أن يعقدوا اجتماعًا أو اجتماعات جديدة؛ ليصرِّحوا بعدها بما معناه: (استمعنا لكثير من آراء الشَّعب السُّوريِّ حول بنود الإعلان الدُّستوريِّ؛ لذلك وجدنا أنَّ إجراء انتخابات أعضاء مجلس الشَّعب أفضل من تعيينهم أو تعيين جزء منهم؛ ولهذا نقترح على رئيس الجمهوريَّة الدَّعوة لإجراء الانتخابات بمرسوم رئاسيٍّ في صيف أو خريف 2025 بعد تسجيل قوائم بأعداد النَّاخبين في المدن والقرى والأحياء والمهجر ومعرفة المكان الَّذي يتوقَّع النَّاخب أن يدلي فيه بصوته خلال الانتخابات). وإن رفعوا مثل هذا الاقتراح سيكتسبون مع سلطات الدَّولة (التَّنفيذيَّة والتَّشريعيَّة والقضائيَّة وموقع رئاسة الجمهوريَّة) مصداقيَّة وشرعيَّة شعبيَّة أرقى وأفضل بكثير من شعبيَّة التَّعيينات وديمقراطيَّة الانتخبات الشِّلليَّة المنبوذة شعبيًّا مع مفرزاتها ونتائجها وكثير من وجوهها.

ستُطيح الانتخابات بكثير ممَّن يخوِّفون منها؛ ليكونوا بالتَّعيين سُلطات الأمر الواقع

لا شكَّ أنّ انتخاب أعضاء مجلس الشَّعب بالصُّورة الواردة في الإعلان الدُّستوريِّ وتعيين بعضهم الآخر حتَّى لو كان التَّعيين لعضو واحد بغير طريقة الانتخابات سيُنتج (ائتلافًا منبوذًا) أو (جبهة وطنيَّة تقدُّميَّة) أو (جبهات وطنيَّة تقدُّميَّة) منبوذة برغم نجاح أعضائها قبل الانتخابات، وإن اختلفت مسمَّياتها الجديدة عن التَّسميات القديمة؛ لذلك فإنَّ مجلس الشَّعب القادم لو اختير أعضاؤه وفقًا لهذه البنود سيفقِدون السُّلطات الرَّاهنة معظم رصيدها الثَّوريِّ بدلًا من أن يكونوا رافعة شعبيَّة حقيقيَّة لها، وستنقم الجماهير على أعضاء مجلس الشَّعب المعيَّنين، حتَّى وإن كانوا ملائكة، وربَّما ينقم على مَن عيَّنهم، وسيستثمر الخارج مع أصوات النَّشاز الدَّاخليَّة كثيرًا في هذه النَّقمة، فما بالك إن اشتملت بعض التَّعيينات على وجوه من مفرزات سلطات الأمر الواقع خلال أربع عشرة سنة من الثَّورة، فإنَّ هذه الخطوة لو حصلت بالصُّورة المقترحة ستؤكِّد أنَّ الثَّورات يشعلها أصحاب النَّخوة، ويضحِّي بها الشُّرفاء، ويقطف ثمارها مسِّيحة الجوخ والانتهازيُّون؛ وهذا ما لا نريده أبدًا.

نريد حصانة لموقع رئاسة الجمهوريَّة لا نريد تعيينات

وكما عيَّن السَّيد رئيس الجمهوريَّة مجلسًا للأمن القوميِّ يمكن للمشرِّع أن يُعدِّل الإعلان الدُّستوريِّ أو يطوِّره؛ ليستبدل حقَّ رئيس الجمهوريَّة بتعيين بعض أعضاء مجلس الشَّعب بحقِّ آخر ومن أجل ضمان استقرار الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة وموقع الرِّئاسة يقترح على رئيس الجمهوريَّة تشكيل مجلس مصغَّر  للأعيان أو مجلس مصغَّر للشُّيوخ، تنحصر مهمَّته بالحفاظ على موقع رئاسة الجمهوريَّة وهيبته، فيما لو استطاع بعض الفلول تشكيل قوائم انتخابيَّة منافسة، ولو وصل بعضهم إلى مجلس الشَّعب، وإن استطاع مجلس الشَّعب المنتخب بعد ذلك وبأغلبيَّة ثلثي أعضائه تمرير بعض القرارات أو المقترحات الَّتي تمسُّ موقع رئاسة الجمهوريَّة، فإنَّ هذه القرارات لا تُعتبر قرارات نافذة إن ردَّها مجلس الشُّيوخ أو إن رفضها، وأستبعد ههنا أن يستطيع مجلس الشَّعب أن يمرِّر مثل هذه القرارات؛ لأنَّ الجوَّ العامَّ ما يزال مؤيِّدًا في أغلبيَّته السَّاحقة للسُّلطات الرَّاهنة، وستزيد الشَّعبيَّة-وستُنجز هذه الانتخابات برغم  مبالغة لجنة الإعلان الدُّستوريِ بتخوُّفاتها من القدرة على إجراء  هذه الانتخابات، وستشارك فيها نسبة عالية أو مقبولة من الشَّعب، وستعزِّز دور الشَّباب ومشاركة المرأة، وسيرجع بعض المغتربين، وخصوصًا لو عملت لجان خلال الفترة الوجيزة القادمة على قوانين الانتخابات وإعداد القوائم المتوقَّعة للمشاركة فيها وتقسيم المحافظات إلى دوائر انتخابيَّة متعدِّدة وزيادة التَّنافس الانتخابيِّ الشَّريف بفتح المجال أمام النَّاخب ليختار القائمة الَّتي يحبُّها، وينتخب ممثَّليه على مستوى المنطقة ومستوى المحافظة كلِّها خارج حدود المنطقة؛ وبهذه الطَّريقة سيظهر مجلس للشَّعب مؤيِّد للحكومة في أغلبيَّته السَّاحقة، وسيشعر عندها كلُّ مواطن أنَّ له رأي في اختيار هذا العضو من أعضاء مجلس الشَّعب وتعيين هذا الوزير أو محاسبة ذاك، وسيزداد التَّفاعل الاجتماعيِّ البنَّاء بوصول المحبوبين من مختلف المناطق والمحافظات، بشرط أن يضمن قانون الانتخاب عدم قبول ترشيح أيِّ شخص تلطَّخت أيديه بالدِّماء.

كذلك سينتج عن مجلس الشَّعب المنتخب لجان مختصَّة (قانونيَّة وماليَّة وتشريعيَّة ورقابيَّة تفتيشيَّة لمكافحة الفساد)، وسينتخب المجلس رئيسه، ومن المرجَّح جدًّا أن يكون محبًّا للسُّلطات الرَّاهنة أو داعمًا لها، ووجود مثل هذا الرَّئيس وهذه اللِّجان يحصِّن موقع رئيس الجمهوريَّة، ويحمي هيبته، ويزيد رصيده الشَّعبيِّ على مستوى كتابة تاريخ سوريا الحديث إنجازات رؤسائها منذ تأسيسها حتَّى منتصف القرن الحادي والعشرين، وستؤسِّس هذه الانتخابات برغم بعض معوِّقاتها لديمقراطيَّة مشرقة. وفي الوقت نفسه لن يسمح مجلس الشَّعب المنتخب لأيِّ مقترح أن يمرُّ من خلال اللَّجنة رئيس اللَّجنة المعنيَّة بهذا المقترح، وإن مرَّ خلال اللَّجنة، فلن يمرَّ من خلال موقع رئيس مجلس الشَّعب القادر على تحديد بنود النِّقاش في كلِّ جلسة، وإن مرَّ البند، ونوقش خلال الجلسة فإنَّه لن يحصل على أغلبيَّة الثُّلثين، وإن حصل على أغلبيَّة الثُّلثين فإنَّه سيُعرض على مجلس الشُّيوخ الَّذي يختاره رئيسة الجمهوريَّة للمصادقة على مثل هذه القرارات أو ردِّها، وسيرفض المجلس مثل هذه الاقتراحات؛ لأنَّه يمسُّ بموقع الرِّئاسة، ولأنَّ أعضاءه كلَّهم معيَّنون من قبل رئيس الجمهوريَّة، ومهمَّته تحصين موقع رئاسة الجمهوريَّة والحفاظ على هيبته خلال المرحلة الانتقاليَّة؛ وبهذا لا يصادر أحدٌ حقَّ الشَّعب في اختيار ممثِّليه، وتتحصَّن السُّلطات كلُّها بمحبَّة الشَّعب وبمشاركتهم في الحياة الدِّيمقراطيَّة، ونتخلَّص من الشِّلليَّة وسلطات الأمر الواقع ومن الجبهات الوطنيَّة التَّقدُّميَّة ومن طريقة الائتلاف الشِّلليَّة في التَّعيينات وبيع الولاءات.

ملاحظات ختاميَّة

سيزيد القيام بمثل هذه الخطوات قبل تجاوزها بمرور الزَّمن عليها احترام المشرِّع في لجنة الإعلان الدُّستوريِّ بين السُّوريِّين كلِّهم، وسيرفع الرَّصيد الشَّعبيِّ للسُّلطات الرَّاهنة، وسيحصِّن السُّلطة شعبيًّا بمجلس شعب منتخب في المستقبل، وسترتفع فاعليَّة لجنة الإعلان الدُّستوريِّ وتزداد محبَّتها وتأثيرها فيما لو أضافت بعض الرُّتوش القليلة على بعض البنود في النُّسخة الأولى والمعتمدة من الإعلان الدُّستوريِّ، كأن تترك للقضاة-بعد تنحية الفاسدين السَّابقين منهم-أمر ترشيح أكفأهم وانتخاب أنزههم في المحكمة الدُّستوريَّة؛ وبهذا تستقوي السُّلطات بدعم الفاعلين والمؤثِّرين من المختصِّين المحترفين لا بتأييد شلل معيَّنة، وحتَّى لو اختاروا الأفضل دون انتخاب سيظنُّ الشَّعب أنَّهم معيَّنون للتَّطبيل وتمسيح الجوخ، والمطبِّلون لا يمكنهم منح الشَّرعيَّة، وليس بوسعهم غير التَّبرير والتَّصفيق.

كذلك يمكن إضافة كلمة (السِّياسيَّة) في بند حقوق المكوِّنات في المجتمع السُّوريِّ؛ ليتمتَّع أفراد المكوَّنات الثَّانية والثَّالثة والصَّغيرة بحقوقهم (السِّياسيَّة مع الحقوق الثَّقافيَّة واللُّغويَّة)، ويستطيع أعضاء لجنة الإعلان الدُّستوريِّ أن يضيفوا بنودًا حول التَّمتُّع بالجنسيَّة العربيَّة السُّوريَّة لدى كلِّ من عاش على أرض سوريا أو وُلد فيها أو حصل عليها من والديه أو من أحدهما أو من خلال الإقامة والعمل مع السِّيرة الحسنة لمدَّة خمس سنوات أو أكثر داخل سوريا، ويمكن الحديث عن حالات التَّجريد من الجنسيَّة العربيَّة السُّوريَّة لأسباب الخيانة العظمى أو التَّواصل مع الأعداء أو غيرها. وفيما يتعلَّق باسم (الجمهوريَّة العربيَّة السُّوريَّة) ودين رئيس الدَّولة والفقه الإسلاميِّ بوصفه مصدرًا رئيسًا بين جملة من مصادر التَّشريع المعتمدة يمكن الإشارة إلى إمكانيَّة التَّصويت على هذه البنود مع جملة بنود الدُّستور الأخرى أو التَّصويت على كلٍّ منها بصورة منفردة في نهاية المرحلة الانتقاليَّة أو عندما تُنجز الظُّروف الموضوعيَّة لمثل هذا التَّصويت، وما تختاره الأغلبيَّة المطلقة يصبح قانونًا؛ أي ما يحصل على نسبة أكثر من 50 بالمئة من السُّوريِّين، وما يتعذَّر عليه الحصول على الأغلبيَّة المطلقة يمكن إرفاقة بمقترحين أو أكثر للتَّصويت عليهما، وما يحصل على الأغلبيَّة النِّسبيَّة بين باقي المقترحات يصبح قانونًا ناجزًا.

أمَّا فيما يتعلَّق بقانون المشاركة في الحياة السِّياسيَّة مع قانون تشكيل الأحزاب على أسس وطنيَّة نأمل من لجنة الإعلان الدُّستوريِّ أن تحظر احتواء اسم الحزب على أيَّة إشارة دينيَّة أو طائفيَّة أو عرقيَّة أو قوميَّة؛ مثل (الحزب القوميِّ) (الحزب العربيِّ) (الحزب الكرديِّ) (الحزب الإسلاميِّ) (الحزب المسيحيِّ)؛ كيلا تستقطب هذه الأحزاب أصحاب النَّعرات الطَّائفيَّة أو الميول العرقيَّة، ويمكن السَّماح بتشكيل أحزاب الخدمات الاجتماعيَّة أو أحزاب التَّنمية البشريَّة أو المجتمعيَّة أو السِّياسيَّة؛ مثل: (حزب الحرِّيَّة والعدالة) أو حزب (الوطنيِّين الأحرار) وما إلى ذلك، وبعد تشكيل الأحزاب دون الإشارات الطَّائفيَّة أو العرقيَّة في مسمَّياتها سيعلو شأن الأحزاب الَّتي تقنع الجماهير بالانتماء لها أو التَّصويت لها؛ لتحصل على عتبة محدَّدة من الأعضاء في مجلس الشَّعب ومجالس الإدارة المحلِّيَّة والمخاتير، وعند حصولها على العتبة الدُّنيا المطلوبة وبقدر ارتفاع شعبيَّتها تتمثَّل في الحكومة أو تستعين بها السُّلطات لتعطيها بعض المناصب والمكتسبات، وتشاركها في الحكم؛ لأنَّها تمثِّل فئة واسعة من الشَّعب؛ والسُّلطات بحاجة لها ولدعمها الشَّعبيِّ كي تسير قُدمًا على طريق نهضة سوريا المنشودة.

بقي أن نشير إلى واحدة من أهمِّ القراءات العقلانيَّة في تفسير سقوط نظام المجرم المخلوع بشَّار الأسد خلال عشرة أيَّام أو ثلاثة عشر يومًا من معركة ردع العدوان، ويرى أصحاب هذه النَّظريَّة العقلانيَّة أنَّ نظام المجرم المخلوع بشَّار الأسد ما كان له أن يسقط-وبرغم فساده وطائفيَّته-لا بشهر أو شهرين أو ثلاثة شهور، لو كان مدعومًا بقاعدة شعبيَّة واسعة؛ أي لو كان أعضاء مجلس شعبه الأخير منتخبين من الشَّعب، أو لو كانوا غير معيَّنين تعيينًا بطريقة فوز (أعضاء الجبهة الوطنيَّة التَّقدُّميَّة)؛ أي أنَّ الانتخابات والمشاركة الشَّعبيَّة تحمي كلَّ سلطة وتزيد شعبيَّة كلَّ نظام حاكم حتَّى وإن شابتها بعض الشَّوائب، حتَى وإن وصل إلى مجلس الشَّعب أعضاء مشاغبون يستفزِّون السُّلطة ببعض النَّقاشات والمساءلة داخل المجلس، بعكس التَّعيينات أو الانتخابات على طريقة التَّزكيات فإنَّها تُفقِد كلَّ سلطة مصداقيَّتها وشعبيَّتها وشرعيَّتها حتَّى وإن كانت شرعيَّة ثوريَّة، وتتحوَّل محبَّة الشَّعب بعد التَّعيينات-ومع مرور الزَّمن-إلى نقمة شعبيَّة عارمة يصعب تجاوزها ومعالجتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى