فنون وآداب

مسلسل (ليالي روكسي): التاريخ الممجوج والسماجة كأسلوب ورؤية وأداء

المسلسل لا يعيد الحياة للتاريخ، بمقدار البحث الملتوي عن كسب الغنائم المتحيزة فنياً وفكرياً ووجدانياً

أحمد صلال*- العربي القديم

مسلسل (ليالي روكسي) تأليف محمد عبد العزيز وورشة من الكتاب وإخراجه نفسه، يتطرق العمل لتاريخ السينما السورية حيث يروي المسلسل، الذي تدور أحداثه في عشرينات القرن الماضي أثناء الانتداب الفرنسي على سوريا، قصة سينما روكسي التي أصبحت لاحقا سينما الأهرام وقصة صناعة أول فيلم روائي سوري واسمه “المتهم البريء”، بطولة وإخراج أيوب بدري الذي سيؤدي دوره في المسلسل الممثل جوان خضر.

الحدث الدرامي

ويحكي الفيلم الذي أنتج عام 1928 وصوّره رشيد جلال، قصة عصابة من اللصوص روعت أرياف دمشق أيام الحكم الفيصلي، ويروي أيضا قصة عامليْن لدى أحد المزارعين يحبان الفتاة نفسها فيقوم صاحب المزرعة بقتل والدها وإلصاق التهمة بالمزارع الثاني الفقير، فيتوارى عن الأنظار لذلك سمّي الفيلم “المتهم البريء” نسبة إلى قصة هذا الشاب.

وصورت المشاهد الخارجية منه في بساتين دمشق وأحد كهوف جبل قاسيون، أما المشاهد الداخلية فصورت في منزل مصور الفيلم رشيد جلال، وأدت بطولته في حينها ممثلة سورية اسمها توتة تؤدي دورها في المسلسل الفنانة سلاف فواخرجي، الأمر الذي اضطر السلطات الفرنسية لمنع الفيلم في حينها بسبب اعتراض رجال الدين في دمشق على ظهور امرأة في الفيلم ما يتنافى مع العادات والتقاليد حينها، رغم موافقة أهل الفتاة، الأمر الذي اضطر صناع الفيلم إلى استبدال الفتاة بامرأة ألمانية تعمل في أحد ملاهي دمشق، حتى توافق السلطات على عرضه وهو الذي حصل حيث عرض الفيلم في سينما الكوزموغراف الواقعة خلف فندق عمر الخيام في حي المرجة الدمشقي.

مسلسل “ليالي روكسي” الذي تدور أحداثه في أحد الحارات الدمشقية أيام الانتداب الفرنسي، يحكي على الصعيد الاجتماعي قصة الصراع القديم بين شخصيتين بسبب زواج الأول من المرأة التي كان يحبها الثاني، الشخصية الأولى هي عطا (أيمن زيدان) الرجل الوطني الذي يحبه أهل حارته، أما الشخصية الثانية التي هي نقيض الأولى هي فرزات (عبد الفتاح مزين) الذي يعمل لصالح سلطات الانتداب الفرنسي ويكرهه أهالي الحارة، لكن الصراع الدائم بين الشخصيتين لا يمنع ابن الثاني نشوان من حب ابنة عطا غريم والده، وينتحر لاحقا بسبب رفض والديهما لهذه العلاقة.

التوثيق والتدقيق

رأى بعض كتاب الدراما أن القصص المقتبسة من واقع الحياة، أو من الروايات العربية والأجنبية، لم تكن كافية وحدها، لتغطية حاجة الدراما والتي تستقطب جمهوراً واسعاً من المشاهدين، فلجأوا إلى توظيف بعض أحداث التاريخ وشخصياته المشهورة، وكان لكل كاتب نظرته الفكرية ومجاله الثقافي، إضافة إلى الخط الذي تلتزم فيه كل جهة فنية.

مسلسل (ليالي روكسي) يأتي في سياق العمل التاريخي، الذي تعرض للكثير من النقد سواء من النقاد أو الصحفيين المهتمين بالشأن الدرامي، أكاد أجزم أن ورشة الكتاب، لم تستعن بأساتذة تاريخ للمساعدة في التوثيق والتدقيق وتقريب المضمون الفكري والبيئة التاريخية في حدود الممكن، ولكن الوقائع التاريخية في حقيقتها جاءت بعيدة بعد الواقع الأصلي عن المشهد التمثيلي، مهما بلغ من المهارة الفنية والصنعة التي تشترك في إنجازها عناصر عديدة، بدأً بالقصة والسيناريو والحوار إلى التمثيل والعناصر المكملة الأخرى من أزياء وديكور وصوت وموسيقى وإضاءة ومعظمها يطغى عليها السماجة والافتعال كأسلوب.

قيمة التاريخ

وفي هذا السياق أرى؛ أن العمل حاول أن يستفد من التكلفة الإنتاجية العالية، واستسهال كوادر بصرية بين الحلم والحرية والموسيقى، وجاء الفعل الدرامي دون المطلوب. وأرى؛ أن العمل الدرامي لا يعول عليه لمجرد التخطيط الجيد لإنتاجه، ويبقى الاختبار الحقيقي هو في النتيجة التي ستظهر والهدف الذي سيُبلغ واختيار الممثل المتمكن، وتنسيق كل شيء بجدارة من مكان التصوير والأزياء وحتى اللهجة؛ أشياء غابت عن العمل المطروق عبر نكهة شعبية مفتعلة .

جاء العمل”مسلوقاً” وهو فقط للترويج لفترة معينة وينتهي دون أن يترك أي أثر. وهنا، هنا الآن تاريخ الحارة الشامية وشخصياتها التاريخية تتعرض للضرر والإساءة، بدل أن تكون مساحة لتخليد شخصياتها، وغير صالحة لجذب المشاهدين للتحلق حول التلفزيون.

 المسلسل التاريخي الجيد يساهم في تسليط الضوء على تاريخ ومكان وزمان وشخصيات ساهمت في إثراء العالم، كل في مجاله، وهذه الشخصيات ملهمة للأجيال، وتدعم كل ما من شأنه ترسيخ قيم تاريخية ومبادئ راقية. وهذه هي شروط الوصفة السحرية.

إن مقاربة التاريخ في المسلسل، قد لا تأخذ الصورة المثلى لواقع التاريخ، وقد تتخلله الكثير من الجزئيات المثيرة درامياً ، وفكرياً ، ووجدانياً أحياناً. وفشل العمل في كسب رهان عكس واقع الحياة بمنظور تاريخي، تظهر فيها واقعها وأحداثها اليومية.

وجاء تصوير العمل التاريخي في مشهدية لا تقارب الواقع التاريخي بمقدار ما تنطوي على أجندات درامية مسبقة وبعيدة عن الموضوعية في مقاربة الفترة والبيئة والحالة، لزوم التشبيح الناعم” مما جعل العمل “مبتوراً” وجاء نسيجها قبيحاً يفتقر للقيمة المعتبرة، ولا يزيد الأجيال علماً وثقافةً تعيد للأذهان الحارة الشامية النظيفة من الداخل والخارج، بمقدار ما فيه من أخطاء ومغالطات تاريخية، قد تكون مقصودة، بل أجزم أنها مقصودة وعن سبق وإصرار درامي، وتفشل في إعادة الحياة للتاريخ السوري المظلوم والمتجنى عليه درامياً. ولكن وفي كل الحالات؛ أرى أن هذا العمل لا يعيد الحياة للتاريخ، بمقدار البحث الملتوي عن كسب الغنائم المتحيزة فنياً وفكرياً ووجدانياً، بينما يغيب التاريخ ولا يتجلى فيها أمس مع استشرف التاريخ اليوم.

عشوائية ومزاجية

يخطئ من يظن أن المسلسلات التاريخية هي دروس منهجية في علم التاريخ، في حين أنها لا تطمح، حتى في نماذجها الناجحة، إلى أكثر من أن تكون ملمحاً حاضراً في لوحة الثقافة العامة لشعب من الشعوب يعنى بماضيه، فيلقي الضوء على أحداثه البارزة، وشخصياته ذات التأثير المؤكد في حركة التاريخ.

من خلال تجربة (ليالي روكسي)؛ نحن أمام عمل عشوائي ومزاجي وغير محايد، لأن القائمين على المال والإدارة والإنتاج يبحثون عن شخصية تاريخية ليقدموها نموذج يحتذى ومثلاً يقتدى به.ثم قد يأتي دور بعض النقاد والمثقفين والفنانين، ليطرحوا عملية «إسقاط تاريخي» بلغة فجة ومباشرة تشبه أداء الممثلين في المسلسل، ولكن التاريخ لا يعيد نفسه، نزولاً عند رغبة كاتب المسلسل أو مدير الإنتاج.

* صحافي وناقد سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى