فنون وآداب

نصوص أدبية || سَحَر سعيد

منذ سنتين، عندما بدأتُ الدراسة في المعهد رأيتُها، طار صوابي، أحسستُ بأنّ ريشاً نبتَ لي

قصة قصيرة كتبها: خير الدين عبيد

كنتُ أعرفُ أنَّه سيأتي، هاهو يقترب.. ألمحه من شقّ في الباب، ماذا أفعل؟

حاولتُ جاهداً ترتيبَ أفكاري، تذكَّرتُ كيف جاء قبل شهرين حاملاً بيتاً خشبيّاً هرميَّ السّقف وكيساً بلاستيكياً، دخلَ باحةَ مرسمي، وضع البيتَ فوقَ حجرٍ منحوت تحت شجرة الرّمّان، ثمّ جلس.

أشعل سيجارة، سحبَ سحبتين، قال:

_ اسمَعني. منذ سنتين، عندما بدأتُ الدراسة في المعهد رأيتُها، طار صوابي، أحسستُ بأنّ ريشاً نبتَ لي، صرتُ طيراً قلّاباً يلعب في السّماء، يحلّق.. يقلب.. يحطّ ليراها ويعود ليطير.

المهم.. سنتان وأنا أعشقُ سحَر سعيد.

سَحَرتني وجعلَتْني سعيداً، طيلةَ ثمانيةَ عشرَ عاماً قبلَها كنتُ أشتهي أن أعرف معنى السّعادة.

قبل التخرّج قلتُ لها:

_ سَحر، من دون لفّ ولا دوران، أريد أن أتزوّجكِ.

آااخ. ما توقّعت أبداً أن يكون جوابها سريعاً وحاضراً، قالت:

_ أُحبُّ شابّاً، وسنتزوّج.

هل رأيتَ طيراً مصروعاً يغزِل في مكانه غزلاً، ولا يستطيع المشي؟ هذا أنا.

ستسألني: لماذا لم تفاتحها في الموضوع منذ البداية؟ سأجيبك: لا أعرف.

رجعتُ إلى البيت وجلستُ أمام طيور الحمام، فأنا كما تعرف أعشق الحمَام.

ياااه. سحَر سعيد، الطّيرةُ البيضاءُ كالثلج ذاتُ التاج الأصفر والعيون الواسعة المكحّلة، بوقفتها والتفاتتها، مشيتها وهي تجرّ ذيلها الطاووسي.

الخلاصة. أنا ذاهبٌ غداً إلى الخدمة العسكريّة، وزّعتُ الحمام، تركتُ لك في البيت الخشبي.. أمانة.

ركّزْ معي، في هذا الكيس ذُرة بيضاء وجلبان أسود، بزر دوَّار الشمس الناعم، جرن.. تغسله مرّتين في اليوم، خُذ من يدي.. هذه حبّات التهاب، إذا مرِضَت لا سمح الله تكسر الحبّة نصفين وتضع بكلّ لطف نصف الحبّة في منقارها، وهذا بخّاخ لقتل النمّوز والحشرات، كل أسبوع بخّ البيت مرّة.

وإياك، ثمّ إيّاك أن تنسى الباب مفتوحاً في الليل، القطط تسرح، وتمرح هنا.

ثمّ وقف، فتح الباب الصّغير، قائلاً: تعالي يا روحي.

هَدَلَتْ.. وخرجتْ.

أووه. جلّ الذي خلقكِ ما أحلاكِ.

مَشَتْ بغنج، تلفّتت تستكشف المكان، رأتهُ، رفرفت ورقصت، وضع في فمه حبّة ذرة واستلقى على الأرض، اقتربت.. مطّت رأسها، وبخفّة قبلة سريعة نقرت الحبّة من فمه.

_ سحر سعيد.. أمانة.

 قالها.. وخرج.

لم أكن أهوى الحَمَام، لا أعرف أنواعه ولا كيف يُربّى، معلومة واحدة كان ذكرها لي، قال:

_ إذا أراد البشر أن يعيشوا الحبّ فليتفرّجوا على الحمام، يتغازل الطّير والطّيرة، يهوجان، يُفلِّيان ريشهما، يطعمان بعضَهما بتداخل منقاريهما.. ويذوبان.

جذبني هديلُها ورقّتها، طلّتُها وبهاؤها، أحضرتُ إبريقَ شاي، صببتُ كأساً وجلستُ أتفرّج عليها متمعّناً بمنقارها، عينيها، التفاتاتها، مِشيتها، وأروح أرسمُ شكلاً متخيّلاً لسحر سعيد.

تعلّقتُ بها. خطرَتْ في بالي القُبلة التي حوَّلت الضّفدع إلى أمير، وضعتُ حبّة ذرة في فمي واستلقيتُ أرضاً، متمنّياً أن تنقرَها وتتحوَّلَ فجأةً إلى فتاة، لكنّها لم تفعل، على العكس.. خافت، نَفَرَتْ ودخَلَتْ بيتها.

أحببتُها. لوّنتُ لها البيت، اشتريت أُصص الفلّ والحبق ووزّعتُها حواليه.

الباب يُدََق. هل جاء ليأخذها؟

هرعتُ إلى سحر، أمسكتُها.. فككتُ خيط الحرير الذي يربط ريش جناحيها، وأطلقتُها.

طَرَقاتُ الباب تزداد، سحر تقفُ على غصن شجرة الرّمّان، تُميل رأسَها، وتنظر إلى السّماء.

إنّه لا يكلّ يدقّ الباب.

لن يستطيع أخذَها منّي، ستطير، لن يجدها، وستعود إليّ حتماً.

وطارت.

دارت في السّماء.. ودُرتُ معها، جناحاها يخفقان.. وقلبي يخفق، عَلَتْ، وابتعدت، ثمّ غابت.

اتّجهتُ نحو الباب، فتحتُه، لمحتُه يركض في آخر الشّارع وكأنّه يحتضن شيئاً.

صُعِقتُ. لقد خطفها، ركضتُ خلفه، الجيران مبهوتون، وصلتُ آخر الشّارع، التفَتَ.. رآني، فزاد من سرعته وانعطفَ يميناً، ضاعفتُ سرعتي، سأرُدّها.. لا معنى للعيش دونها؟

المسافة بيننا تضيق.. لهاثُنا محموم، عشرة أمتار فقط وأخطِفها.. سبعة.. ثلاثة.. مددتُ يدي لأمسِكَهُ من كتفه، لمستُهُ برؤوس أصابعي….

 فجأةً.. طارا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى