ساحة الكرامة في جبل العرب: هل تتسع أم تضيق؟

إيمان أبو عساف – العربي القديم
مرة أخرى لن اقف عند التسمية، وهي في غالب الأحيان عتبة أي كون صغير أو كبير، يعطيك تلميحات عن جوانية ودواخل هذا العالم أن صغر أو كبر.
والمشكلة انني عندما أتناول المنطقة بفعل نقدي أخاف أن أكون متلاعبة بالخصوصية التاريخية لملتي ومذهبي، ولعل ما يربكني فعلا أفق تناول هذا الفعل محليا، وعلى مستوى الوطن.
ومن خبرتي المتواضعة والتي قد تكون غير مكتملة ويصيبها العوار من مكان ما، أجد ارتياباً في نفسي، ومشاعر غامضة، وتقصيراً في فهم أننا كبشر خرجنا للتو من التنميط والتدجين لنكون بحالة مخلوقات حضارية، أو هكذا نأمل. وهذا الأمر تحديدا. يبقيني بحالة شعور أن حالات ما وأياد غامضة ستبقي أفعالنا خارج التناول بحرية، ولكن ليس خارج الاستيعاب والتحليل والتبصر بالتأكيد.
ومن الساحة سأبدأ، وأعود مرات لتلمّس روابطها مع ما أسلفت، ومع متغيرات وانزياحات المشهد السوري. الساحة بدأت بألمعية و تفوق وشعور بريء من أي ايحاء او هدف رغبوي أو مصلحي. وبدت الساحة ذات مكنة وغواية وطافت ببراعة عبر الأثير السوري، وتجاوزت متفوقة كل العقد وكل الخلافات وعاشت وعي الأمة السورية كما ينبغي، واستحضرت رموزها محاولة العدل مع مهارة الخفة في تناول قضية الشعب السوري.
ورغم أنها كذلك، فقد اجتمعت عليها عوامل متعددة تبدأ من مكر السلطة، ولا تنتهي بترسانة المتحزبين من اليسار واليمين. ومع عمليات مركّبة من عزم على الاستمرار. والقفز فوق جدليات الوطني والعروبي والطائفي والتقسيم، راهنت ساحة الكرامة على أن تملك الافق السوري لبلوغ الهدف، وكان رهانها هو طقس يومي يصارع بكل معنى الكلمة إرغامات السلطة و العقائد.
ويوما بعد يوم تقف الساحة مع أحداث مجاورة وذات تمفصلات فارقة، يتيمة ومشاغبة معا لقد بدأت تفقد برائتها الأولى ومرونتها وكلما طرحت رؤى حوصرت في الساحة نفسها، وسقيت براوفد الاختلافات التي أعيت بجذورها الممتدة في الريبة والشك والتجريد والتعميم والتنميط وعميقا حفر النظام، وأكثر منه حفرته المعارضة المؤسساتية او الشعبية؛ فقد كان كل منهما يبحث عن سردية لاذت في هذا العمق أو ذاك ليعرقل مرة بقصدية ومرات بجهل ودوافع مسبقة، وبات يظهر تماما أن حاجتنا للثقافة والمعرفة لتحول كل المشاريع إلى برنامج ومنهج هذا فيما يخص حراك السويداء.
أما ما يخص السلطة فقد تابعت محاولاتها المجترة والمرذولة بالقمع، ومحاولة العودة للقطيعية والرعوية، عبر نبشها في أزمنة ومنح الاستعمار لهبات العائلية وتراتبيتها، وصولا إلى التشويه والاحتقار لمقدسات ورموز الشعب الذي يحرك الساحة! ولابد أن نشير بكل شجاعة إلى افتقاد الساحة إلى المثقف المتبصر، وبرأيي أننا لم نعثر قط سوى على حالات فردية، وهذا الأمر أفقد الحراك النماء النوعي إن صح التعبير.
وصادف أن ادعى المثقف الأيديولوجي أنه علينا أن نكون كما يريد أو لا نكون، وترك الارتباط مع وقائع متسارعة ومتنوعة ليرد على أبواق الدعاية والشائعة. وأعتقد أن هذا الأمر أخّر ارتقاء الجميع إلى ذروة اللحظة العظيمة، التي أولمت للانتفاضة وأشتعلتها، إذ عندما تنشغل ساحة ثورية بعملية الرد هذه، تبدأ عملية التفخيخ والانشغالات العقيمة بقول هذا وذاك… فلا فكاك ولا فضاء لنقد، ولا مرونة لتجارب حيوية. وبكل جرأة ساقول: الساحة قد يؤثر على سعتها البناء العشوائي ويفقدها الأفق الإنساني مشع. والأمر ليس انتظار ما يفعله القريب والبعيد، ات هو بكل بساطة العمل كما البداية باستقلال الحر الواثق الخطوة، المرتبط بالقراءة الواعية للتاريخ والمجتمع والسياسة.
ومرة واحدة إن بقيت الساحة محلية فلا ضير ذلك الذي سيصنع كونيتها واتساع رمزيتها، ولكن المقتل هو السعي لالتهام الشائعة وتوزيع التهم والانفصال الٱثم بين القول والمسلك.