العربي الآن

ما هي الضمانات التي تحتاجها واشنطن من أجل رفع العقوبات عن سوريا؟

حماية الأقليات أم ملفات أخرى أكثر أهمية بالنسبة لترامب؟

جميل الشبيب – العربي القديم

منذ سقوط نظام الأسد، وجهت أغلب الحكومات الغربية دعواتها للإدارة السورية الجديدة بضرورة حماية الأقليات، وهو ما تكرر بشكل دوري على لسان العديد من المسؤولين الأوروبيين. وقد استغل بعض ممثلي الأقليات في سوريا هذه التصريحات للمطالبة بالانفصال أو بالحماية الدولية، رغم أن الدول الغربية لم تقدم أي وعود رسمية بمنح حماية دولية أو التدخل العسكري لصالح هذه الأقليات، بل اكتفت بالتصريحات والتوصيات.

في المقابل، كانت إسرائيل الدولة الأكثر وضوحاً في مواقفها، حيث رأت في تغذية النزعات الانفصالية وسيلة لضمان استمرار الصراع في سوريا، وهو ما ينعكس إيجابيًا على أمنها. وقد هددت إسرائيل مرارًا الإدارة السورية الجديدة من إعادة تموضع الجيش السوري في المناطق الجنوبية، متوعدة بالتدخل لحماية الطائفة الدرزية في المنطقة.

أما الولايات المتحدة، فموقفها يبدو أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي تعامل مع السياسة الخارجية بعقلية رجل الأعمال، ساعيًا دائمًا لتحقيق صفقات رابحة، سواء كانت تلك الصفقات تتماشى مع سياسات بلاده التقليدية أم لا. وقد تجلى هذا النهج في دفعه لأوكرانيا نحو اتفاق سلام مع روسيا، لضمان سيطرة أمريكية غير محدودة على ثرواتها المعدنية.

أولويات أمريكا في سوريا

بالنسبة لسوريا، لم يرَ ترامب أهمية كبيرة لها خلال ولايته الأولى، إلا أن بعد سقوط الاسد عملت إدارته على دفع الأكراد باتجاه دمشق للتفاوض، ما مكّن واشنطن من تحقيق خطوة استراتيجية تهدف إلى كسر نفوذ الجماعات الجهادية داخل الجيش السوري” بعد اتفاق دمشق وقسد ع اندماج قسد ضمن مؤسسة الجيش السوري” وهو الملف الأكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة. فالتنظيمات الجهادية مثل “الحزب التركستاني” و”حراس الدين” وغيرها، ممن يعتبرون حلفاء هيئة تحرير الشام سابقا، لا تزال تشكل قلقًا فعليًا لواشنطن، التي تستخدم ورقة العقوبات للضغط على دمشق من أجل احتواء هذه الجماعات وضمان عدم تهديدها للمصالح الأمريكية في المنطقة.

الملف الثاني في سلم أولويات الولايات المتحدة هو أمن إسرائيل، التي عبر مسؤولوها مرارًا عن مخاوفهم من وصول الفصائل الثورية، وخصوصًا “هيئة تحرير الشام”، إلى السلطة في سوريا، معتبرين ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنهم القومي. ولهذا، تراقب واشنطن سلوك الإدارة السورية الجديدة تجاه إسرائيل، وهو ما يؤثر على موقفها من تخفيف أو تعليق العقوبات المفروضة على البلاد.

أما ثالث الأولويات الأمريكية، فهو اختبار قدرة الإدارة الجديدة على إدارة البلاد، ضبط الأمن، وإنهاء حالة الفوضى التي خلفتها الميليشيات والفصائل المسلحة. ويمكن اعتبار أحداث الساحل السوري أول تحدٍّ حقيقي واجه الحكومة الجديدة، حيث نجحت في إعادة فرض سيطرتها على المنطقة، لكنها فشلت في ضبط بعض الفصائل غير المنضبطة التي ارتكبت انتهاكات بحق المدنيين. ورغم ذلك، ترى واشنطن أن لدى الإدارة السورية الجديدة القدرة على ضبط الأمن، وهو ما يصب في مصلحة دول المنطقة، إلا أن مسألة الحد من تجاوزات الفصائل والانتهاكات لا تزال ضمن الملفات التي تنتظر واشنطن خطوات فعلية بشأنها قبل إعادة النظر في العقوبات.

وقد يرى البعض أن الولايات المتحدة تربط مسألة رفع العقوبات عن سوريا بتشكيل حكومة شاملة تضم جميع مكونات الشعب السوري، لكن من الصعب الجزم بأن هذا الملف يمثل أولوية فعلية لواشنطن في قراراتها بشأن العقوبات او تعاملها معها مع الملف. فتجارب الماضي تؤكد أن الولايات المتحدة لا تعتمد دائمًا على معايير الديمقراطية أو التعددية السياسية في تحديد سياساتها الخارجية. ولعل تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما وصف نظيره المصري  بـ”ديكتاتوره المفضل” مثال واضح على ذلك، حيث لم تمنع النزعة الاستبدادية للنظام المصري من استمرار الدعم الأمريكي له.

هل تهتم أمريكا بالأقليات؟

رغم أهمية الأقليات في الخطاب السياسي الأمريكي، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذا الملف لا يأتي في مقدمة أولويات واشنطن مقارنة بالمصالح الاستراتيجية الأخرى. وتدرك الولايات المتحدة أن الإدارة السورية الجديدة نجحت في تجنيب البلاد حمام دم كان متوقعًا بعد سقوط الأسد، نتيجة الاحتقان الطائفي الذي غذاه النظام خلال سنوات الحرب.

وقد يكون للمسيحيين في سوريا أهمية خاصة لدى واشنطن، لكن بقية الأقليات – وحتى الأكثرية – لا تعني الكثير للإدارة الأمريكية ما دامت مصالحها مضمونة. ولنا في مواقفها من مختلف النزاعات حول العالم أمثلة لا حصر لها، بدءًا من الحرب الإسرائيلية على غزة وصولًا إلى اضطهاد المسلمين في الصين، حيث تظل المصالح الأمريكية فوق أي اعتبارات إنسانية أو حقوقية.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن ملف العقوبات على سوريا مرتبط بعدة قضايا أكثر أهمية بالنسبة لواشنطن، وهي تنتظر من الإدارة السورية الجديدة تقديم ضمانات حقيقية لطمأنة الولايات المتحدة قبل اتخاذ أي خطوات لتخفيف الضغط الاقتصادي المفروض على البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى