علم النفس والسلوك

بين البائع المتجول والمتجر الفاخر: التفاوت الاجتماعي في سلوكياتنا الشرائية

غالبًا ما ندفع للأغنياء بسخاء لأننا نبحث عن استحسان المجتمع

براء الجمعة*- العربي القديم

في زحمة الحياة اليومية، تكشف لنا سلوكياتنا الشرائية عن تناقضات غير متوقعة، تلقي بظلالها على تعاملاتنا مع الآخرين. بينما يئن بائع متجول تحت وطأة شمس حارقة أو برد قارس، يحمل أحلامًا بسيطة على طبق متصدع، يتحول العديد منا إلى مخلوقات قاسية في ساحة المساومة، نضغط عليه حتى نقتطع من قاع جيبه ما نراه حقًا لنا. وعندما نبتعد بخُطا واثقة، تاركين وراءنا شعورًا بالهزيمة في عينيه، نتجه مباشرة إلى مكان آخر، حيث يُقدّر المال بمزيد من الحرية والرفاه. نلتقط فنجان قهوة في مقهى فاخر، حيث نُنفق بلا تردد مبلغًا قد يفوق ما حصل عليه البائع في يوم كامل من العمل الشاق.

ولكن السلوك لا يتوقف هنا، فنضيف على الفاتورة “إكرامية/ بقشيش” سخية، وكأننا بذلك نشتري غفرانًا عن قسوتنا. ومع كل خطوة نخطوها في هذا المسار، نشعر بشيء من التفاخر الوهمي وكأننا قد زدنا من رصيد “كرمنا”. هذه التناقضات بين قسوتنا على الفقير وسخائنا مع الغني تثير العديد من التساؤلات حول العدالة الاجتماعية والمفاهيم العميقة التي تقودنا وتحركنا كمستهلكين. لماذا نُبخس حق الفقير في التعامل معه بإنسانية؟ ولماذا يُعتبر مساومة الفقير “شطارة”، بينما يُنظر إلى الدفع الباذخ للأغنياء على أنه سلوك كريم ونبيل؟

سيكولوجية التسوق: بين العقل والعاطفة

سيكولوجية التسوق هي من أبرز المواضيع التي تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية مع سلوكيات الأفراد في المجتمع. في مواقف البيع والشراء، يتفاعل العقل مع العاطفة لتشكيل قرارات قد تكون مفاجئة، وتكتشف من خلالها أننا نتصرف أحيانًا بعكس ما نتوقعه من أنفسنا. ولتفسير هذه الظواهر، يجب أن نغوص في أبعاد سيكولوجية التسوق، حيث تتشابك رغباتنا، قيمنا، وأحيانًا ضعفنا مع حساباتنا الاقتصادية والاجتماعية.

وهم القوة: “القوة الزائفة في المساومة

عند التفاوض مع بائع متجول، يدخل الفرد في حالة من الوهم بتعزيز قوته. فهو يشعر بأنه المسيطر على الموقف، لأنه يستطيع تقليل السعر أو دفع أقل مما يُتوقع. هذا السلوك يرتبط بما يُعرف بـ “وهم القوة أو التحكم والسيطرة (illusion of control)”، وهو مفهوم نفسي يلاحظ أن الأفراد الذين يتعاملون مع أشخاص في وضع اجتماعي اقتصادي أقل يشعرون غالبًا بالتحكم في المواقف، كوسيلة لتعويض مشاعر القلق أو النقص في مجالات أخرى من حياتهم.

الخوف من الأقوياء: “القلق في مواجهة الرفاهية

في المقابل، تتغير سلوكياتنا عندما نتعامل مع الأغنياء أو أصحاب العلامات التجارية الفاخرة. هذه العلاقة يمكن أن تُفسر من خلال مفهوم “القلق الاجتماعي (social anxiety)”، حيث يشعر الأفراد في هذه المواقف بالتهديد من القيم الاجتماعية المرتبطة بالثراء. عندما نواجه الرفاهية، يثير ذلك شعورًا بالخوف من الرفض الاجتماعي أو عدم الانتماء.

البحث عن المكانة: “إظهار الانتماء الاجتماعي

سلوكنا في شراء منتجات من الأسواق الفاخرة أو تقديم الإكراميات في المطاعم الراقية يعكس رغبتنا العميقة في الانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة أو السعي لتحسين مكانتنا. هذا السلوك يتوافق مع مفهوم “الهيبة الاجتماعية (social prestige)”، حيث يسعى الأفراد للحصول على منتج أو تجربة تعتبر مؤشرًا على التميز الاجتماعي. نحن ندفع في هذه الحالات لأننا نريد أن نثبت لأنفسنا وللآخرين أننا ننتمي إلى فئة أعلى.

الاستحسان الاجتماعي: “القلق من نظرة الآخرين

غالبًا ما ندفع للأغنياء بسخاء لأننا نبحث عن استحسان المجتمع. هذا السلوك يرتبط بما يُسمى “التحفيز أو التعزيز الاجتماعي (social reinforcement)”، حيث يشعر الأفراد بالحاجة للظهور بمظهر الكرم في محيطهم الاجتماعي للحصول على قبول وتقدير. إظهار كرم مع الأغنياء هو نوع من تأكيد الذات الاجتماعية في ظل وجود تنقلات طبقية واضحة.

عقلية المساومة: لماذا نضغط على الفقراء؟

في تعاملنا مع البائعين المتجولين، يصبح النزاع حول السعر نوعًا من ممارسة النفوذ أو القوة. يعود هذا السلوك إلى “التحيز الطبقي” (class bias) الذي يربط الفقر بالعجز أو الضعف، مما يُمكّن بعض الأفراد من ممارسة السيطرة في المواقف التجارية. وفقًا للدراسات النفسية، يميل الأفراد إلى التقليل من قيمة الأشخاص الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية واقتصادية أقل، ويرون أن هؤلاء الأشخاص في وضع يُمكنهم من استغلاله لصالحهم. هذه العقلية تؤدي إلى فرض شروط غير عادلة في المفاوضات، مما يعكس تصورات سلبية غير واعية تجاه الفقراء، وهو ما يساهم في تعزيز التفاوت الاجتماعي ويزيد من التحيزات الطبقية في تعاملاتنا اليومية.

لماذا ندفع للأغنياء بسخاء؟

في المقابل، يفسر سلوكنا مع الأغنياء ضمن ما يُعرف بنظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)، حيث يسعى الدماغ بشكل طبيعي إلى تقليص التناقضات بين مشاعرنا الداخلية وسلوكياتنا. عندما نشعر بأننا في بيئة فاخرة أو نتعامل مع شخص ينتمي إلى طبقة اجتماعية عالية، قد ينشأ تنافر معرفي بين ما نشعر به من تردد بشأن دفع مبالغ كبيرة وبين الرغبة في تأكيد مكانتنا الاجتماعية أو التميز. وبالتالي، عندما ندفع بسخاء في هذه السياقات، يصبح هذا التفاعل بمثابة محاولة لتخفيف التوتر الداخلي وخلق نوع من التوازن المعرفي. يعتقد العقل أن هذا الدفع الزائد يعكس نوعًا من الاستحقاق أو التميز، مما يعزز شعورنا بالراحة والتوافق مع المواقف التي تتطلب التفاخر أو الاستعراض الاجتماعي.

الندرة مقابل الوفرة: كيف تؤثر على سلوكنا المالي؟

تبرز “نظرية الندرة مقابل الوفرة” (Scarcity vs. Abundance mindset) في تفسير هذا التفاوت في سلوكنا المالي، حيث يمكن أن تؤثر طريقة تفكيرنا في وفرة أو ندرة المال على كيفية تعاملنا مع الآخرين. عندما نعتقد أن المال أو الموارد نادرة، فإننا نميل إلى أن نكون أكثر تحفُّظًا وحذرًا في معاملتنا مع من هم في وضع اقتصادي أضعف، وقد نلجأ للتفاوض على الأسعار أو الشروط بصورة قاسية، كما لو كان الهدف هو استغلال الفرصة للحصول على أقل قيمة ممكنة. أما في بيئات مثل المطاعم الفاخرة أو المتاجر الراقية، حيث نشعر أن الموارد وفيرة وأننا قادرون على الدفع بسخاء، فإننا نكون أكثر استعدادًا للإنفاق دون تردد، مما يعكس كيف أن تصوراتنا عن الوفرة أو الندرة تلعب دورًا كبيرًا في تحديد سلوكنا المالي وتفضيلاتنا في التعامل مع الآخرين.

كيف يمكننا تصحيح هذا التحيز اللاواعي؟

إن تصحيح التحيزات اللاواعية يبدأ أولاً من الوعي التام بوجودها في سلوكياتنا اليومية، سواء في تعاملاتنا الشرائية أو في المواقف الاجتماعية الأخرى. من المهم أن نتوقف ونتساءل: ما الذي يدفعنا لمساومة الفقراء بينما نُظهر تساهلاً مفرطًا مع الأغنياء؟ هذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار. عندما نتعامل مع الجميع على قدم المساواة، ونحترم كرامة كل فرد بغض النظر عن وضعه المالي، فإننا لا نقتصر على تعزيز العدالة والمساواة، بل نقدم نموذجًا يُحتذى به في التفاعل الإنساني.

المفارقة الاجتماعية في المواقف اليومية

هذه الظواهر لا تقتصر على مواقف التسوق فقط، بل تمتد لتشمل جوانب حيوية من حياتنا اليومية مثل التعليم، الرعاية الصحية، والفرص الاجتماعية. إن التعامل غير العادل مع الفقراء لا يُزيد فقط من مشاعر الإحباط والضعف لديهم، بل يُفاقم أيضًا من مشاكلهم النفسية والاجتماعية بشكل عام. ففي المجال التعليمي، يُنظر في كثير من الأحيان إلى الطلاب من خلفيات اقتصادية ضعيفة على أنهم أقل قدرة على التفوق، مما يُسهم في تعزيز التحيّزات غير الواعية التي تؤثر سلبًا على فرصهم في الحصول على تعليم عادل ومتكافئ.

عدالة مفقودة: نحو سوق أكثر إنسانية

المسؤولية التي تقع على عاتقنا جميعًا تتجاوز مجرد إعادة النظر في ممارساتنا الشرائية، فهي دعوة للتأمل في الأسس التي يقوم عليها اقتصادنا. يجب أن ندرك أن الاقتصاد لا ينبغي أن يُبنى على التفاوت الاجتماعي أو التمييز الطبقي، بل يجب أن يُؤسس على احترام كرامة الإنسان، بغض النظر عن وضعه المالي. إن تغيير المواقف الاجتماعية والنفسية تجاه الفقراء، من خلال تعزيز العدالة وتوفير الفرص المتكافئة، يمكن أن يساهم بشكل جوهري في إحداث تحول في كيفية معاملة الأفراد، وبالتالي في خلق بيئة اجتماعية أكثر إنسانية وعدالة.

تُظهر سيكولوجية التسوق والممارسات الاقتصادية اليومية كيف أن العواطف تتداخل مع المنطق، وكأن الاختيارات التي نعتقد أنها نابعة من إرادتنا الحرة هي في الواقع محكومة بمعتقدات اجتماعية تتغلغل في كياننا دون وعي منا. المفارقات التي نراها في تعاملنا مع الأغنياء والفقراء ليست مجرد انعكاس لحالات فردية، بل هي جزء من نظام معقد يعكس التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي يعصف بمجتمعاتنا، ويغذي الفجوة بين الطبقات الاجتماعية بشكل غير مرئي، لكنه عميق التأثير.

لكن في قلب هذا الواقع الذي قد يبدو محكومًا بالظروف، يكمن الأمل في قدرتنا على كسر هذه الحلقة المفرغة. فالتغيير لا يبدأ فقط من إصلاح القوانين أو التعديل في السياسات، بل يبدأ من هنا، من داخلنا، من تفكيرنا في كيف نرى الآخر، وكيف يمكننا من خلال خطوات صغيرة أن نعيد بناء المجتمع على أسس أكثر عدالة وإنسانية. إن تجاوز التحيزات اللاواعية لا يكفي أن يكون هدفًا نظريًا؛ بل هو عملية دائمة، رحلة نبدأها من اعترافنا بوجودها، مرورًا بتصحيح سلوكياتنا الفردية والجماعية، وصولًا إلى تجسيد هذه المبادئ في كل ما نقوم به.

كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ”، وهو حديث يعبر عن حقيقة أن القوة الحقيقية للمجتمع تكمن في رعاية أفراده الضعفاء والمحتاجين، وأن العدالة لا تتجسد في الاهتمام بالمقدرة المالية، بل في العناية بالإنسان في جوهره.

عندما نقرر أن نعامل الجميع، من فقراء وأغنياء، بنفس القدر من الاحترام والكرامة، لا نكون فقط قد وضعنا حجر الأساس لعالم أكثر إنسانية، بل نكون قد بدأت في بناء بيئة اجتماعية تكون فيها القيم الإنسانية هي المعيار الذي نقيس به نجاحنا. فلنكن جزءًا من التغيير الذي يسعى إلى تحقيق التوازن والعدالة، ليس فقط في الشعارات، بل في كل قرار نتخذه وكل خطوة نخطوها.

__________________________

*مختص في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى