الرأي العام

مقامات أمريكية | عن ثقافة الاعتذار

ممن نطلب الاعتذار: من مجموعة بذاتها، أو من مجموعات أخرى ساندتها وأعانتها، أو من جزء من المجموعة التي تحملت سواد الظلم، فيما ظل هذا الجزء محايداً إن لم يكن عوناً مباشراً للظالم؟

د. حسام عتال – العربي القديم

يطالب العديد من الناس اليوم بـ “الاعتذار” ممن ينتمون إلى مجموعة بشرية معينة. ويدعي هؤلاء أن الاستجابة الوحيدة المقبولة هي الاعتراف التام بالخطأ الذي ارتكب، والتعبير غير المشروط عن الندم. ويأتي هذا الطلب من مبدأ أن “الأثر أهم من النية”، ولا يقبل هؤلاء المطالبون أي دفاع دافع عن البراءة من الأفراد، مهما كان حال موقف فرد معين من أفراد هذه المجموعة في السابق، وبالتأكيد لا يؤخذ بالاعتبار الكلمات أو الأفعال التي تخص هذا الفرد من الناحية الموضوعية، فيقولون لنا إن هذه ليست في غير محلها فحسب، بل إنها تعكس الرغبة في التهرب والتجاهل.

إن مسألة الاعتذار مسألة معقدة وتتطلب الدقة. في كثير من الأحيان، إن مواقف فرد ما، كلامية كانت أو بالفعل، تعكس الشر الكامن حقيقية في قلبه؛ وإذا كان الأمر كذلك، فيجب عليه ألا نعتذر فقط، بل أن يتوب، وأن يصلح نتائج أعماله إن ثبت ضررها، وأن يخضع للمحاكمة والعقوبة. لكن في حالات أخرى، قد يكون الفرد لا مبالياً أو متجاهلاً أو غير مكترث، وهنا يصعب بالضبط تحديد مصدر نيته أو درجة حساسيته أو مقدار صدقه.

إن هذا الإلحاح على الاعتذار الجمعي هو في غير محله، رغم أن البعض يقولون: “وما الضرر في ذلك؟ لماذا لا يعتذرون ببساطة لتهدئة مشاعر الآخرين كي نمضي قدماً؟ لماذا لا نعطي الأولوية للعلاقات بدلاً من التركيز على من بالضبط يجب عليه الاعتذار في النهاية؟”

أتفهم هذا الموقف، لكني أعتقد أنه يقلل من أهمية الأمر. وأود أن أطرح أن الاعتذار ممن لم يتحمل وزر الخطأ يؤدي إلى معضلات ذات شأن: فإذا لم يرتكب الفرد خطأ، لكنه اعترف علنًا بعكس ذلك، فقد دُفِعَ إلى الكذب، وهذا خطأ جسيم في حد ذاته.

ونحن نقوض مصداقية هذا الفرد إذا اعترف علناً بارتكاب خطأ لم يرتكبه. ماذا سيظن الأشخاص الذين يعرفون آرائه الحقيقية؟ هل سينظرون إليه بأنه صادق؟ أم سيعتبرونه يمثّل ويتظاهر؟

وعندما نطلب الاعتذار بهذا الشكل، فإننا نظهر للناس أننا قابلون للتلاعب بنا. بمجرد أن يُعرف أن شخصاً ما قد تنازل عن الحقيقة قسرياً، فما الذي يمنع شخصًا (غير نزيه هذه المرة)، من استغلال هذا التلاعب بعد أن عرف أن الشخص هو قابل للتنازل تحت الضغط؟

وبشكل عكسي، نحن نتعامل بفوقية مع الشخص الذي شعر بالظلم أساساً، والذي نطلب الاعتذار نيابة عنه. من المفارقات أن الإصرار على الاعتذار ممن لم يقم بجرم واضح، ثم التوجه للشخص المظلوم والقول له: “ها نحن قد أتينا باعتذار لك”، وكأنه شخص لا يدرك أبعاد الأمر الواقعية. هذا في حد ذاته تقليل من شأنه وقد يؤدي لخسارته حقه الطبيعي في القصاص ممن أساؤوا له.

من الضرورة أن نكون منفتحين على الاعتذار، لكن يجب أن نكون واعين أن الفئات التي نطلب منها الاعتذار ليست متجانسة. ممن نطلب الاعتذار: من مجموعة بذاتها، أو من مجموعات أخرى ساندتها وأعانتها، أو الجزء من المجموعة التي تحملت سواد الظلم، وظل محايداً إن لم يكن عوناً مباشراً للظالم؟ وإلى من نتوجه بالطلب، فهناك ما هو واضح كأجهزة الأمن، ولكن ماذا عن الجيش، الوزراء، التجار، السماسرة، رجال الدين، الفنانين، المثقفين، أو كل من غيّر موقفه “كوّع” بين ليلة وضحاها، أو غيرهم؟  يجب علينا التحلي بشيء من التواضع قبل أن نعمم هذه الثقافة الاعتذارية ونجعلها شماعة نعلق عليها كل الأخطاء والتجاوزات. هذه المقاربة ليست خاطئة فحسب، بل خطيرة أيضًا، فنحن نقلل من أهمية الصدق والإخلاص، ونبني عالمًا من الزيف والتظاهر، ونخلق بيئة يمكن فيها لأي كان إجبار الآخرين على الامتثال تحت تهديد العار والتشهير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى