الإعلان الدستوري الجديد.. خطوة للأمام أم إعادة إنتاج للأزمة؟
منح الرئيس صلاحيات واسعة، يجعله متحكماً فعلياً في السلطة التشريعية والقضائية، ما يتعارض مع مبدأ التوازن بين السلطات

سامي زرقة – العربي القديم
أثار الإعلان الدستوري الجديد في سوريا موجة من الجدل السياسي والقانوني، خاصة بين القوى المعارضة والمجتمع المدني.. فرغم كونه يمثل خطوة تنظيمية ضرورية في مرحلة الانتقال السياسي، إلا أنه يعاني من ثغرات جوهرية تجعله أقرب إلى إعادة إنتاج النظام السياسي السابق بدلاً من تأسيس دولة ديمقراطية حقيقية.
أولاً: الشرعية والتمثيل – من يملك الحق في صياغة الدستور؟
من أبرز الإشكاليات المرتبطة بهذا الإعلان هو مصدر شرعيته. فمن الناحية النظرية، يجب أن تستند أي وثيقة دستورية انتقالية إلى توافق وطني واسع، بحيث تعكس تطلعات جميع مكونات المجتمع السوري.. لكن الإعلان الحالي تم وضعه من قبل السلطة التنفيذية من دون استفتاء شعبي أو توافق حقيقي بين مختلف الأطراف السياسية، ما يثير تساؤلات حول مدى تمثيله لمختلف القوى الفاعلة في المشهد السوري.
يُذكِّرنا هذا النهج بتجارب سابقة في بلدان مرت بانتقالات سياسية، حيث أدى فرض دساتير انتقالية دون توافق إلى أزمات شرعية طويلة الأمد.. التجربة التونسية والمصرية، على سبيل المثال، أثبتتا أن نجاح أي مرحلة انتقالية مرتبط بمدى قدرة النخب السياسية على تقديم حلول توافقية، وليس فرض رؤية أحادية.
ثانياً: تركيز السلطة في يد الرئيس – خطر الاستبداد الجديد
رغم أن الإعلان ينص على الفصل بين السلطات، إلا أن توزيع الصلاحيات لا يزال يميل لصالح السلطة التنفيذية، وتحديداً رئيس الجمهورية. فمنح الرئيس صلاحيات واسعة، مثل تعيين أعضاء البرلمان وتسمية أعضاء المحكمة الدستورية، يجعله متحكماً فعلياً في السلطة التشريعية والقضائية، ما يتعارض مع مبدأ التوازن بين السلطات.. مثل هذه الصياغات الغامضة تفتح المجال لتأويلات تمنح الحاكم نفوذاً أكبر من المفترض، وتعيد إلى الأذهان الأنظمة الرئاسية السلطوية التي سادت في سوريا لعقود. إن تقليص سلطات الرئيس، وضمان استقلال القضاء والبرلمان، هو الضامن الوحيد لتحقيق انتقال سياسي ناجح.
ثالثاً: غياب الضمانات الفعلية للحريات والحقوق
رغم أن الإعلان يتضمن إشارات إلى حماية الحقوق الأساسية، إلا أن صياغته العامة والفضفاضة تجعله غير كافٍ لضمان حماية فعلية للحريات.. فمثلاً، النص على أن “التشريع يستند إلى الفقه الإسلامي” دون تحديد طبيعة هذا الاستناد يفتح المجال أمام تفسيرات قد تتعارض مع حقوق الأقليات الدينية والمرأة… كما أن غياب آليات واضحة لحماية حرية التعبير والتجمع السلمي يثير مخاوف من استمرار التضييق على المعارضين السياسيين والإعلاميين، خاصة في ظل هيمنة السلطة التنفيذية على المؤسسات الأمنية والقضائية.
رابعاً: تجاهل القضية الكردية والمكونات الأخرى
أحد أكبر الإشكالات التي تكرسها الوثيقة هو إغفالها لقضية التنوع القومي في سوريا.. إذ تمحورت الصياغة حول الهوية العربية والإسلامية، في تجاهل واضح للمكونات الكردية والسريانية والآشورية التي كانت تطالب بدستور يعترف بوجودها كشريك أساسي في الدولة.. إن إقصاء هذه المكونات من أي عملية دستورية قد يؤدي إلى تعزيز النزعات الانفصالية أو استقطاب النزاعات الداخلية، مما يهدد وحدة البلاد مستقبلاً.. في المقابل، لو كانت هناك رغبة حقيقية في بناء دولة مواطنة، لكان من الضروري تضمين ضمانات واضحة لحقوق جميع المكونات دون استثناء.
خامساً: غياب خطة تنفيذية واضحة
الإعلان يحدد مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، لكنه لا يتضمن أي خارطة طريق واضحة لتحقيق أهداف هذه المرحلة.. فكيف سيتم نقل السلطة بعد المرحلة الانتقالية؟ وما هي الضمانات لمنع احتكار الحكم؟ هذه الأسئلة تبقى بلا إجابات، مما يجعل الإعلان أقرب إلى بيان سياسي فضفاض منه إلى وثيقة دستورية محكمة.
هل الإعلان الدستوري خطوة للأمام؟
في ظل هذه الثغرات، يبدو أن الإعلان الدستوري الجديد لا يرقى إلى كونه قاعدة حقيقية لبناء دولة ديمقراطية، بل يعيد إنتاج إشكاليات الحكم السابقة بآليات جديدة.. إن أي دستور انتقالي ناجح يجب أن يكون نابعاً من توافق وطني، يضمن توازناً فعلياً بين السلطات، ويوفر ضمانات حقيقية للحريات والحقوق.. وإن لم يتم تدارك هذه الثغرات، فإن الإعلان قد يتحول من أداة لتنظيم المرحلة الانتقالية إلى عامل جديد لتعقيد الأزمة السورية. والرهان الحقيقي الآن هو على قدرة القوى السياسية والمجتمع المدني على فرض تعديلات تضمن أن تكون هذه الوثيقة خطوة نحو الديمقراطية، لا مجرد إعادة إنتاج لنظام سلطوي بواجهة جديدة.