إشكالية حماس معضلتنا جميعاً

غسان المفلح- العربي القديم
مما تعلمته في الثورة السورية معادلة بسيطة جدا: أن مشكلة القوى السياسية الإسلامية هي مشكلتنا جميعا. تماما كالمشكلة الطائفية، ليست مشكلة الطائفة العلوية فقط. للأسف لاتزال هذه القوى والتيارات تتعامل مع المسالة الإسلامية بوصفها إما مشكلة الإسلام عموما أو الإسلام السياسي خصوصا ويتبعها المجتمع أيضا، وليست مسؤوليتنا كتيارات مختلفة تدعي اليسار والعلمانية والليبرالية. نحن منها براء. نحن الذين نمثل قيم العصر والحداثة! نافين كل التيارات الإسلامية من نعمة حداثتنا هذه. يعقب ذلك طرد كل مجتمعنا من جنة الحداثة تلك، لأنه مجتمع متخلف وطارد للمختلف! رغم أن الجميع تقريبا يعرف: أن ما نعيشه من إسلام سياسي هو إنتاج هذه الحداثة نفسها. حتى لو تمظهر أنه بالضد منها.
لا يمكننا تجاوز إشكالية الإسلام السياسي إلا بجعلها إشكاليتنا أيضا، ونفكر فيه انطلاقا من ذلك.
هذا يقتضي أن نحتك بها مباشرة، وليس نفيها عن كاهلنا، والاكتفاء بمهاجمتها. هذا يقتضي أيضا محاولة التعاطي معها بحجمنا وليس بأن نكبر وجودنا اللفظي في هذه المعركة، ونحن لا نستطيع إخراج تظاهرة واحدة. الثورة كانت درسا للذي يريد أن يتعلم.
– لنأتِ إلى موضوع حماس: أولا حماس بقيت قوة سياسية حتى قررت السلطة الفلسطينية وحلفاؤها في الخارج إقصاءها كلياً عن المشهد. الانتخابات الأخيرة للمجلس التشريعي 2006 فازت حماس وشكل إسماعيل هنية حكومة. سرعان ما انقلبت عليها سلطة أوسلو. بعد ذلك دخلت حماس كجزء من القوى السياسية الفلسطينية لها حضورها في الشارع الفلسطيني، في اجتهادات ومعارك معظمها كان خاطئا. أسوأ اجتهاد لها كان تحالفها مع إيران. والخطأ الأكثر فداحة هو طريقتها في حكم قطاع غزة. كأنه بداية لخلافة إسلامية متوهمة. لم يبق إلا أن تشكل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل علني!
رغم الفضاء الذي فرضته حماس، يشعر المواطن في غزة أن هذه الهيئة الرقابية على الحلال والحرام تلاحقه في تفاصيل حياته. تحالفها مع إيران جعلها تشعر أنها تمتلك قرارا سياديا وتحتكر التمثيل الفلسطيني! كان مبرر استمرار سلطتها حاكمة على غزة، هو شعار المقاومة ورفض أوسلو. أوسلو الذي لم يعطِ الفلسطينيين سوى جزر مقطعة، تحيطها إسرائيل من كل جانب.
– الأموال التي كانت تأتي لحماس أكثريتها كانت تصرف على التسليح ورواتب للمقاتلين. غزة عمليا “استقلت” عن إسرائيل والسلطة منذ عام 2007. ماذا فعلت حماس في القطاع؟ أكثر من عقد ونصف كانت تلك الأموال كافية لكي تجعل من غزة نموذج تنموي. لكن المستوى السياسيى “المقاوم” لا يستطيع ذلك لأنه غير قادر على إنتاج صيغة سياسية قانونية ودستورية لاحتواء هذه التجربة التنموية المفترضة مع تمسكها بالمقابل برفض أوسلو. هذا الوهم الذي حملته قيادة حماس معها من إيران بأنها قادرة على تحرير فلسطين! في الواقع لم يكن وهما بل كان غطاء لمشروع سلطة عسكرية مستدامة على غزة. عسى أن تسيطر على الضفة أيضا.
– إن ما قامت به حماس في 7 أكتوبر 2023 هو جزء من هذا الوهم. لكن بالمقابل من حقها أن تحاول تحريك الملف المقاوم، وفقا لأولوياتها. كانت تعتقد أن هذه العملية النوعية التي خسرت فيها إسرائيل جزء كبيرا من هيبتها، يمكن أن يمر كما مرت عمليات سابقة. العملية كانت ضربة موجعة لإسرائيل وصورتها. مما سمح لليمين الإسرائيلي المسيطر أن يعلن عن حرب إبادة على كامل القطاع. خلال عدة أشهر وصل عدد الضحايا لأكثر من 30 الفا وعدد النازحين لأكثر من مليون ونصف، واعداد الجرحى والمصابين بمئات الالوف، إضافة وهذا جزء من الإبادة في جعل غزة منطقة غير قابلة للعيش، مهما كانت مآلات الحرب. منذ ذلك التاريخ والجيش الإسرائيلي يقوم بحرب إبادة. ضحيتها اهل غزة بمعزل عن انتماءاتهم السياسية. هذه الحرب الابادية حولت حركة حماس لرمز مقاومة حقيقي كما شهدت تفاصيل الحرب المستمرة حتى اللحظة.
– ما جعل إسرائيل تصر على ذلك هما نقطتان في الحقيقة:
الأولى: هو حجم التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية وانكشاف كثير من الاسطرة الكاذبة حول إسرائيل وبنيتها.
الثانية: إنهاء إمكانية أن تشكل حماس خطرا ما مستقبلا. هذا يقتضي أيضا جعل غزة مشكلة لحماس وحلفائها، على كافة الصعد وخاصة على صعيد الاقتصاد. حماس لا تستطيع لوحدها مهما كانت نتائج الحرب، أن تعوض اقتصاديا حجم الخسائر.
– السؤال الآن بعد هذه المقدمة الذي يفرض نفسه هو: هل لاتزال المقاومة المسلحة تحمل إمكانية تحقيق دولة فلسطينية مستقلة لا تريدها لا إسرائيل ولا أمريكا ولا غالبية دول أوروبا الغربية ولا معظم الأنظمة العربية والشرق أوسطية؟ في الواقع بالنسبة لي أرى أن هذه الامكانية معدومة بالنضال المسلح. لأسباب عدة غير التي ذكرتها. هنالك أيضا كما كتبت من قبل، لماذا لم نجد تضامنا من فلسطينيي الضفة او فلسطينيي إسرائيل؟ ما شهدناه عبارة عن تحركات لم تستمر طويلا، وكانت ذات نتائج سيئة. عندما تستمع لتظاهرة في الضفة تضامنا مع غزة أحد شعاراتها” خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود”. هذه التظاهرات السريعة لم تعد تتكرر. هنا يمكننا القول إن الزمن التراكمي للقوة الامريكية والغربية والإسرائيلية في إبادة القضية الفلسطينية سياسيا قد اتى بنتائجه. إنه الشتات في الداخل والخارج. هذه القوة التي تتراكم منذ اتفاق أوسلو لا تريد قيام دولة فلسطينية مستقلة. بالتالي يجب شرذمة القضية الفلسطينية وابادتها سياسيا وماديا كلما تسنت الفرصة، وكانت ولاتزال. غزة آخرها الآن.
– عندما يقتل فلسطيني على يد الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة هذه فهو شهيد. حاكمه سياسيا وقانونيا واخلاقيا كفلسطيني آخر أنت خصما سياسيا له. لكن قتله على يد احتلال ابادي يجعل الكلام مختلف كليا. لسبب بسيط جدا من يقتل هم أبناء القضية، بغض النظر عن توجههم السياسي.
– حماس لم تساهم بالإساءة للشعب السوري إلا بتحالفها داخل فلسطين أي في غزة مع إيران. إيران وميليشياتها هم قتلة للشعب السوري. هذا لا يبرر لحماس مطلقا. لكن تحالفها مع إيران مفسرا في ظل هذا الجو الدولي والإقليمي والفلسطيني وانطلاقا من مشروع سياسي فاشل. حماس لم تكن مثل أحمد جبريل، ولا مثل حزب الله، موضوعيا كفصيل فلسطيني داخل فلسطين وذاتيا وفقا لأولوياته.
– هل الشعوب التي قامت بثوراتها حتى اللحظة في كل العالم كانت متفقة على مشروع سياسي واحد غير التخلص من الاحتلال أو من نظام فاشي كالنظام الأسدي؟ السلطة الفلسطينية ونخبها ساهمت بمحاصرة حماس ومحاصرة غزة، ومعها نظام دولي واقليمي عربي. فلم تجد حماس وفقا لمشروعها” المقاوم” سوى إيران. كان مطلوبا من حماس وقياداتها أن تعيد نقاش أولوياتها المقاومة ووسائلها.
– رغم كل هذه اللوحة المعقدة… أعود لأقول كل فلسطيني تقتله إسرائيل هو شهيد. لأن الاحتلال الإسرائيلي هو السبب في كل ما حدث ويحدث وسيحدث للفلسطينيين من مآسي.
إسرائيل لم تقتل أيا من قادة الفصائل الفلسطينية الأخرى. سؤال يجب أن يطرحه الفلسطينيون على أنفسهم، قبل الآخرين. كل هذا طبعا بعد تحميل حماس مسؤولية خياراتها.
في الختام: نظرا للتعقيدات الامريكية في هضم حقوق شعوب المنطقة وقتلها وحماية قاتليها، واستمرار ذلك. تصير المعايير في الحكم على الظواهر السياسية أكثر تعقيدا وأقل توثيقا. بدءاً من مواقف القوى السياسية ومرورا بالتحالفات الطارئة وأحيانا التبعيات لهذه الدولة او تلك. المنطقة برمتها محمولة على تسيد أمريكي أعلى من الجميع.. ولا يسمح بغير ذلك للأسف.