تعالوا نحتفي بعضنا ببعض قبل أن نموت

في نص أدبي ساحر، مفعم بعذوبة اللغة، وجزالة الأفكار، وقوة التقاط تفاصيل المشهد التراجيدي السوري وتكثيفه بإحساس عال، يكتب د. علي حافظ ليطلق دعوة للمحبة، ورسالة للتعاطف الإنساني والوطني الحي بين السوريين. آملين أن تصل هذه الرسالة بنفس الصدق والحرارة والنبل التي كُتبت بها. (العربي القديم)
***
أودع مَن، وأعزي من، وأرثي من، وأندب من؟ فأغلب الذين ساروا معي في طريق الثورة، قد اُستشهدوا، وطواهم ثرى الماضي الذي لن يعود.
توغّل الموت بأجسادهم أكثر فأكثر، فراحوا يستشهدون تباعاً، ويرحلون بسرعة، دون احتفاء، أو مراسم وداع، مرتدين ثيابهم المصنوعة من ريش العصافير، وأجنحة الفراشات، وتويجات الورد. انتظرتهم، لنشرب القهوة، فتأخروا كثيراً. شربتها وحيداً بمرارة التراب الذي سقطوا عليه، وتلوّن بدمهم، وهم ينظرون آخر مرة إلى الزرقة المختنقة بآهاتهم وصرخاتهم الأسطورية.
كلّ الذين أحبهم رحلوا رحلوا، وبقيتُ أنا ممزَّق الروح، محروق الفؤاد، مشوّش التفكير. لقد قطع موتهم قلبي!
بالأمس كنا نتقاسم الخبز والفرح والحزن، كنا نتسابق، للذهاب من أجل تغطية الأحداث حولنا، لاسيما المعارك التي تجري على الجبهات، مستهزئين بالموت، لا دروع واقية، ولا خوذات، فاتحين صدورنا للرصاص والشظايا القاتلة، بدلاً من فتحها للريح، والموج والعناق.
تناثر لحمنا في كل مكان، وصبغت دماؤنا عناوين الأخبار. أخذت الإصابات تلاحقنا هنا وهناك، فتوقف بعضنا مستسلماً لنقاهة قصيرة، ما لبثنا أن عدنا ثانية، لكن بحماس وإصرار أكثر حاملين كاميرات رخيصة، نصوّب عدساتها القريبة والبعيدة، لنوثق كلّ شيء، ونتركه للتاريخ، لأن ذاكرة البشرية مثل ذاكرة الأرانب، سرعان ما تنسى!
في تلك الأيام تغاضى الموت عنّا قليلاً، لكنه فجأة أخذ يصطادنا واحداً تلو الآخر، بأدوات أممية قبيحة ـ أسدية، داعشية، قاعدية، قسدية، إيرانية، أفغانية، لبنانية، روسية… ـ ويشدنا أكثر فأكثر، نحو قاع مستنقعه الآسن العميق.
مرّ الوقت ثقيلاً، انتظرت بائع الفرح أن يأتي، انتظرته على أحرّ من الجمر، لكنه لم يأتِ! ربّما قتلوه، مثلما قتلوا كلّ أصدقائي، وأصحابي، وأحبابي المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة، ورفع الظلم؟ ربما ألقوا القبض عليه، مثلما فعلوا مع كل عشاق الحياة والفرح والحلم؟ ربما اغتالوه، كما اغتالوا كلّ الضحكات المرافقة لمواسم القمح؟
ناشدته مراراً أن يأتي لزيارتنا، ولو للحظات، فقد نسينا معالم وجهه البشوش، وعينيه البرّاقتين، وضحكاته الرنانة، وروحه القطنية.
جلست في مقبرة قريتي مارع أنتظره في أمسية صيفية دافئة. تلألأ القمر على سرير السماء، توقف قليلاً، ليضيء قبور الشهداء البسيطة المتواضعة. حاولت أن أوقفه قليلاً في سكينة الراحلين، ليرافقهم في رحلتهم الأبدية، صوب الخلود، لكنه سار باتجاه ما، ما لبثت أن غصت في عتمة الليل البهيم، أبكي أمساً معتماً لم ينجلِ.
تعبت من الموت، من موت أخوتي، وأصدقائي وأصحابي، تعبت من قتل أحبتي، تعبت من مشهد توابيتهم المحمولة على الأكتاف، تعبت من ذرف الدموع عليهم، ورؤيتها تنهمر سخية من الأعين البريئة لأمهاتهم وزوجاتهم، وأخواتهم وأولادهم.
هل ستتوقف الحرب ذات يوم يا بائع الفرح، ويكون عندي متسع من الوقت، لأبكي على مَن رحل، وتركني وحيداً وسط هذا الخراب الكبير؟
قد تكون الأحلام جميلة، والواقع قبيح، لكننا لم نفقد الأمل بقدومك، حتى ولو تأخرت كثيراً، فمنذ ولادتنا في هذا البلد الموبوء بالاحتلال الأسدي الطائفي الحاقد المجرم، ونحن ننزف نفس اللون، ونخرج نفس الآه، ونموت نفس الموت. أمَا آن لنا أن نفرح قليلاً؟!
حلّ عام آخر. مات الموت يا بائع الفرح، ولم تأتِ!
حلّت أعوام أخرى، لم يبقَ شيء في قائمة الانتظار القصيرة، إذاً تعالوا نحتفي ببعضنا بعض، قبل أن نموت!
أنيق الحرف وراقي الهمس والبوح
متألق ومبدع… د. علي
نحن أجساد بلا أرواح…… 💔