كيف خلق الله الكون؟

يحظى هذا السُّؤال الوجوديُّ باهتمام الفلاسفة والمفكِّرين والعلماء؛ ويمكن لأيِّ إضاءة للإجابة عن هذا السّؤال أن تشكِّل فتحًا في العلوم النَّظريَّة والتَّطبيقيَّة كلِّها؛ كالفيزياء والكيمياء والرِّياضيَّات والجيولوجيا والأنثروبولوجيا والتَّاريخ والأديان وغيرها؛ لذلك تتلاقى معظم العلوم والفنون الإنسانيَّة بمناهجها وطرائق بحثها العلميِّ عند هذا السَّؤال؛ ممَّا يعلي من شأن النَّظريَّات الَّتي تقول: بوحدة الكون، ووحدة الوجود، وعلم واحد، أو نظريَّة علميَّة تفسِّر كلَّ شيء، وما يتفرَّع عنها من نظريَّات أخرى، يعتقد أصحابها بالحلول والتَّناسخ والتَّقمُّص وعدم فناء الطَّاقة، وتحوُّلها الدَّائم إلى أشكال متعدِّدة، وإن استطاع العلماء والمفكِّرون من الإضاءة على تاريخ كثير من المخلوقات والكائنات الحيَّة في هذا الكون؛ فإنَّ بداية تاريخ الكون ذاته ما تزال لغزًا محيِّرًا، وما تزال الإجابات الدِّينيَّة في الكتب السَّماويَّة؛ كالقرآن الكريم والكتاب المقدَّس والتَّصوُّرات الأسطوريَّة في حضارات الشَّرق القديم في مصر وبلاد الشَّام وبلاد الرَّافدين والهند تشكِّل مرجعًا مهمًّا لدى كثير ممَّن يسأل نفسه هذا السَّؤال المهمَّ: كيف خلق الله هذا الكون؟
تأتي صعوبة هذا السُّؤال من أسئلة أخرى تتفرَّع منه، ولا تقلُّ أهمِّيَّه وصعوبة عنه؛ كقولنا: متى خلق الله هذا الكون؟ وكيف خلقه؟ ومن أين جاء بمادَّته الأولى؟ ويمكن لهذه الأسئلة أن تتوالى؛ لتصبح أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى فهم غير قليل بالقوانين الفيزيائيَّة وتركيب العناصر الكيميائيَّة وصِيغ المعادلات الرِّياضيَّة، وقوانين حركة الضَّوء والصَّوت وآليَّات اتِّحاد العناصر الكيميائيَّة وتحلُّلها وأسباب تمدُّد الكون وظهور الأكوان الطِّفلة والثُّقوب السَّوداء، الَّتي تبتلع كلَّ أشكال الطَّاقة وتُفنيها على حدٍّ تعبير ستيفن هوكينغ، حتَّى وإن كانت هذه الطَّاقة أو كان مصدرها على شكل جسم كائن حيٍّ أو نيزك أو قمر أو كوكب أو نجم أو مجرَّة.
تُصوِّر أساطير الشَّرق القديم خَلقَ الكون بطريقة تشبه خَلقَ الفنَّان المبدع موضوعه الفنِّيَّ إلى حدٍّ ما، كصنع النَّجَّار كرسيَّه من الخشب، ونحت الفنَّان تمثاله من الحجر وغيرها، وتتميَّز أسطورة الخلق الإيبلاويَّة، الَّتي يرجع تدوينها إلى (2500) قبل الميلاد، ومن المؤكَّد أنَّها نقلٌ عن مرويَّات شفويَّة ترجع إلى ما قبل ذلك بكثير، وما يميِّزها من غيرها قربُها من قصَّة الخلق في القرآن الكريم والكتاب المقدَّس، فقد جاء في أسطورة الخلق الإيبلاويَّة ما يأتي: “لم تكن الأرض، أنت خلقتَها، لم يكن ضوء النَّهار، أنت خلقته، ضوء الصَّباح الَّذي لم يكن بعد موجودًا أنت خلقته”، وقد جاء هذا المعنى في سِفر التَّكوين: “في البدء خلق الله السَّماوات والأرض، وكانت الأرض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرفُّ وجه المياه. وقال الله: ليكن نور، فكان نور”، وجاء في القرآن الكريم: (إنَّ ربَّكم الله الَّذي خلق السَّموات والأرض في ستَّة أيَّام ثمَّ استوى على العرش يغشي اللَّيلَ النَّهارَ يطلبه حثيثًا والشَّمس والقمر والنُّجوم مسخَّراتٍ بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربُّ العالمين [الأعراف 54].)
لكنَّ علماء الفيزياء والكيمياء لا يقفون عند هذا الحدِّ من الأخبار الأسطوريَّة والدِّينيَّة المرتبطة بخلق الكون ونشأته، وإنَّما يسعون دائمًا إلى البحث عن القانون النَّاظم لحركة الأجسام والعناصر والمركَّبات والذَّرات والإلكترونات، وحين يقترحون أيَّ نظريَّة من نظريَّات التَّشكُّل لا يعترفون بها حقيقة علميَّة إلَّا إذا ثبتت أمام قوانين البحث العلميِّ بدءًا من الحَدْسِ والملاحظة مرورًا بالاختبار والتَّجريب وصولًا إلى البرهان المنطقيِّ أو البرهان التَّضافريِّ كما سمَّاه تشومسكي، عندما قدَّم نظريَّته اللِّسانيَّة في الدَّمج، ورأى أنَّ أيَّ ظاهرة علميَّة هي نتيجة لدمج مجموعة من القوانين النَّاظمة لها، وبعض هذه القوانين موجود في الرِّياضيَّات، ويوجد بعضها الآخر في الفيزياء أو الكيمياء أو اللِّسانيَّات أو غيرها، وعندما يؤكِّد البرهان التَّضافريُّ النَّظريَّةَ على شكل قانون أو مجموعة من القوانين العلميَّة تتحوَّل إلى علم ثابت من العلوم؛ لذلك يقف الفيزيائيُّون والكيميائيّون عند أشياء أكثر تعقيدًا مثل معنى: (الإله، الله) وعند سؤال معقَّد آخر؛ يرون أنَّه لا بدَّ من طرحه: من أين أتى الله-سبحانه وتعالى-بالمادَّة الأولى لصنع الكون وخلق المخلوقات قبل البحث عن بداية الحياة وبداية الإنسان وبداية التَّاريخ على الأرض.
وعند محاولة الإجابة على هذا السُّؤال تقترح الفيزياء نظريَّة الانفجار العظيم أو الأعظم لتفسير خلق الكون بمجرَّاته وأفلاكه ونجومه وكواكبه وأقماره، ويقرُّ الفيزيائيُّون باَّنه لا بدَّ من وجود طاقة هائلة أو قوَّة عظيمة جدًّا جدًا، قد لا يستطيع العقل تخيُّلها؛ لإنتاج مثل ذلك الانفجار العظيم، الَّذي فتَقَ الكون، وباعد بين المجرَّات، وشكَّل النُّجوم والمجموعات الكوكبيَّة، الَّتي تدور حولها، ويجهلون مصدر هذه (الطَّاقة أو القوَّة) الهائلة الَّتي فجَّرت هذه الكون، ونقلته من حال السُّكون الهُلاميَّة أو الغازيَّة أو (حال الثُّقوب السَّوداء المظلمة، الَّتي تبتلع الطَّاقة، وتبتلع كلَّ شيء ، وتفنيه) إلى حال الحركة والدَّوران. ويعتقد عدد كبير من الفلاسفة غير المؤمنين بأيِّ ديانة سماويَّة بوجود الله سبحانه وتعالى، ويرون أنَّه هو مصدر هذه الطَّاقة، وربَّما يتلاقى إيمانهم في ذلك مع إيمان المسلمين المؤمنين بأنَّ أمر الله سبحانه وتعالى: (كُنْ) هو مصدر الطَّاقة، كما يوضِّح ذلك قوله سبحانه وتعالى: (بديع السَّموات والأرض وإذا قضى أمرًا فإنَّما يقول له كن فيكون) [البقرة 117].
ويبدو لي أنَّ اعتقاد كثير من المؤمنين بالدِّيانات السَّماويَّة (اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام) شبيه باعتقاد الفيزيائيِّين حول نشأة الكون، وإنَّما يعبِّرون عن ذلك بطريقة مختلفة قليلًا عن طريقة التَّعبير لدى الفيزيائيِّين، وإن كان علماء الفيزياء عاجزين عند تحديد طبيعة القوَّة الَّتي أدَّت إلى الانفجار العظيم أو كانوا غير قادرين تحديد صفات القوَّة المسؤولة عن الانفجار العظيم، وهي صفات الله سبحانه وتعالى ذاتها، وهو القائل: (فاطر السَّموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير) [الشَّورى 11]. فإنَّ المؤمنين بالدِّيانات السَّماوية يرون أنَّ الكون كان (سديمًا) غازيًّا يشبه بخار الماء أو يشبه الغبار أو الحالة الغازيَّة لأيِّ جسم، وهذا يُعيدنا إلى السُّؤال الأوَّل: ما مصدر هذه المادَّة؟ ومن أين جاءت؟
ويتلاقى هنا القرآن الكريم مع الفيزياء -من وجهة نظري- حين يشير إلى انقباض الكون قبل الانفجار العظيم، (وهذا عكس تمدُّده)، الَّذي أثبتته الفيزياء، ويزداد هذا التَّمدُّد، ويزداد الاتِّساع والتَّباعد بين مكوِّناته يومًا بعد يوم، وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (أولم يرَ الَّذين كفروا أنَّ السَّموات والأرض كانتًا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيّ) [الأنبياء 30]، وفي هذه الآية الكريمة إشارات واضحة إلى اتِّساع الكون بعد فتق السَّموات عن الأرض أو التَّباعد بينهما نتيجة أمر الله أو الطَّاقة المسؤولة عن الانفجار العظيم وخلق الماء الأساسيِّ للحياة، أو تحويل جزءٍ كبيرٍ من ذلك السَّديم الغازيِّ إلى حال الماء السَّائل، الَّذي شكَّل أساس الطَّاقة ومصدرها على كوكب الأرض، ومن أجل هذا الماء ومن أجل السَّيطرة على منابعه وما يجاوره من عشب وكلأ ومراعٍ خصبة وثمار وفيرة تصارعت شعوب الحضارات القديمة، ولكن قبل الحديث عن صراع الحضارات لا بدَّ من أسئلة أخرى: كيف خلق الله الإنسان؟ وهل شكل الأرض ثابت منذ خلقها الأوَّل حتَّى يومنا هذا؟ ومن هو الإنسان الأوَّل؟ وهل يوجد بشرٌ قبل آدم عليه السَّلام؟ وهناك أسئلة شيِّقة أخرى سنحاول الإجابة عليها ضمن هذه النَّافذة الأسبوعيَّة.
تعليق واحد