الرأي العام

نوافذ الاثنين | الجامعات السورية والشبيحة

ميخائيل سعد

في عام 1985 كنت ”مكتبجي“ في مدينة حمص، وكان من مصلحتي أن تكون علاقاتي جيدة مع جامعة البعث، في المدينة، فهي ”زبون“ هام لأي مكتبة، وخاصة كلية الآداب، لأن الكلية وطلابها بحاجة للمراجع الجامعية. ولما كانت كان الجامعة حديثة التأسيس فهي تفتقر لجميع أنواع الكتب، وكنت أملك المكتبة الأكبر في المدينة.

أحد الأيام زارني عميد كلية الآداب الدكتور أحمد وطلب مني 50 نسخة من كتاب ”تاريخ الأدب العربي“ من تأليف الدكتور شوقي ضيف، فرأيت أن الفرصة جاءت لوحدها ويجب استغلالها، فدعوت الدكتور أحمد (….) إلــى عشاء على نهر العاصي، تدلل قليلا ولكنه وافق في النهاية واتفقنا على موعد محدد.

التقينا في الموعد المحدد، وحرصت أن نكون لوحدنا، فأنا أعرف درجة الحذر التي يحيط موظف الدولة نفسه بها، خوفا من أن يصل كلامه، مهما كان سخيفا، إلى المخابرات، التي تجمع التقارير عن الناس إلى حين الحاجة، وكانت هذه سياسة حافظ الأسد نفسه مع موظفي إدارته والمعارضين، فمن الطبيعي أن تكون سياسة أجهزة الأمن شبيهة بسياسة ”سيادته“.

تحدثنا بأشياء كثيرة، وسألني عن تجربتي الصحفية في بيروت، وعن سقوط أول عاصمة عربية أمام الغزو الإسرائيلي عام 1982، وردّات فعل الأنظمة العربية على ذلك، والتي لم تختلف عنها الآن أمام تدمير إسرائيل لغزة، وقتل أكثر من عشرين ألف فلسطيني.

كتابة التقارير

 ولما كنت أعمل في قطاع الصحافة وطباعة الكتب، فقد سأل الدكتور أحمد عن سياسة دور النشر وطرق التعامل مع المؤلفين والمترجمين، فشرحت له كل ما أعرفه في هذا المجال، ووعدته بالمساعدة عندما يقرر طباعة كتابه، الذي هو رسالة الدكتوراه. وفي سياق هذه الأحاديث سألته عن عدد الدكاترة السوريين في مجال الأدب العربي فقال: في سورية الآن 600 شخص يحمل شهادة دكتوراه في الأدب العربي، ألا يوجد من بين هؤلاء من هو قادر على تأليف كتاب عن تاريخ الأدب العربي، ليكون بديلا عن كتاب المرحوم شوقي ضيف؟

تلفت الرجل يمينا ويسارا قبل أن يقول: دكاترة الجامعات السورية، لا وقت عندهم يقضونه في تأليف الكتب، عندهم ما هو أهم من ذلك.

سألت: ما هو الشيء الأهم بالنسبة لأستاذ جامعي من تأليف الكتب؟

قال: كتابة التقارير عن بعضهم البعض وإرسالها للجهات الأمنية، دفاعا عن أنفسهم، أو الكتابة بحق زملائهم المنافسين لهم، أو بحق مَن  يمكن أن يكونوا منافسين محتملين، لذلك فوقتهم موزع بين مراقبة الزملاء أو النميمة عليهم، أو الدفاع عن أنفسهم، وبين هذا وذاك محاولتهم الدائمة الجري وراء الفرص التي تزيد من دخلهم الشهري بواسطة الفساد والإفساد،  ولو كان ببعض القروش.

سألت: وماذا عن الأخلاق العلمية وهبوط مستوى التعليم، وانتشار الأمية والجهل بين طلاب الجامعات، وتراجع قيمة العلم والمعلمين؟

قال مبتسما، وبعد أن التفت يمينا ويسارا: المهم بالنسبة لنا المحافظة على أرواحنا، ولقمة عيش أطفالنا، أما عن الشعارات الكبرى التي تتحدث عنها، فقد تركناها للزمن يا صديقي، وللمتنفذين الذين يستثمرون وقتهم فيها.

معامل إنتاج الشبيحة

بعد ثلاثة أعوام من الواقعة الأولى تم تعيين صديق لي في موقع ”عميد كلية الآداب” في جامعة البعث الحمصية، وكنا نمضي وقتا طويلا معا، سواء في مكتبتي أو في البيوت. كان الدكتور رضوان (……) رحمه الله مهموما في عمله، فمستوى الطلاب في تراجع مستمر، وكان يحاول البحث دائما عن الوسائل التي يمكنها أن توقف هذا التدهور في مستوى التعليم ومستوى التحصيل العلمي، وكان يطرح هذا الموضوع في جلساته العامة والخاصة، إلى أن وصله الأمر من إحدى الجهات الأمنية بالكلف عن ”الحفر“ والبحث عن الأسباب الحقيقية للتراجع في مجال التعليم، فقد كانت كل الاستقصاءات تشير إلى أن سياسة الحكومة في جميع مجالات نشاطات الانسان، هي المسؤولة عن هذا الخراب، لم يكن هم الحكومة خلق المواطن الصالح، ففي ذلك سيكون مقتلها، وإنما كان همها إفساد المجتمع وتحويله إلى قطعان من الغنم تسمع صوت الراعي فقط أثناء سوقها إلى المذبحة القادمة، وأفضل وأسهل الطرق لتحقيق ذلك هو قتل العملية التعليمية وإفساد القيم الأخلاقية للناس، لذلك كان تراجع مستوى التعليم هو المدخل الأول لتحويل الطلبة إلى ”شبيحة“، وتحويل الجامعات إلى معامل لانتاج ”شبيحة مثقفة“ تقتل الناس معنويا من خلال تشويه القيم العامة، وهذا ما رأيناه في سورية الأسد أثناء الثورة، فقد تحول الطبيب إلى جلاد، والمحامي إلى لص حقير، والقاضي إلى بياع أرواح، والضابط إلى قاتل، وهكذا.

في إحدى جلساتنا مع الصديق عميد كلية الآداب روى لنا قصة واحدة من القصص التي جرت معه في الجامعة، تؤكد ما ذهبنا إليه قبل قليل بأن الجامعات تحولت إلى معامل لإنتاج الشبيحة، قال الدكتور رضوان: أحد الأيام كنت في مكتبي الجامعي عندما فُتح الباب بقوة دون أن يُقرع ودخل منه عميد في الجيش السوري بثيابه العسكرية الكاملة مع دزينة نياشين معلقة على صدره، وقدم نفسه بأنه العميد ”الفلاني“، من الحرس الجمهوري، فوقفت مسلما عليه، وطلبت منه التكرم بالجلوس ففعل واضعا رجلا على أخرى وأسفل بوطه باتجاه وجهي.

قال: دكتور أنتم ظلمتم ابنة أخي الطالبة عندكم وتجنّيتم عليها، ورغم أنها فتاة ذكية فقد قمتَ بترسيبها عمدا لأسباب معروفة، فهي إبنة فلاح مسكين وأنتم أهل المدن لا تحبون الفلاحين.

قال الدكتور رضوان هنا بدأت ساقاي بالرجفان وأنا جالس على الكرسي، فنتيجة هذا الكلام معروفة، يعني اتهامي بالطائفية، فطلبت منه الإذن، ثم ذهبت شخصيا للبحث عن ورقة امتحان الطالبة في المادة التي أدرّسها، عدت بها وأنا أرتجف وأعطيتها لسيادة العميد كي يرى لماذا رسبت ابنة أخيه في هذه المادة.

كان في ورقة الامتحان، عشرات الأخطاء الإملائية والنحوية، وقد وضعت تحتها خطا أحمر. وكانت مادة الامتحان عن الأدب الجاهلي، في فقرة من الفقرات كان على الطالبة الاستشهاد ببعض أبيات الشعر لشاعر جاهلي، فكتبت: (وهون عم بيقول الشاعر….) ثم كتبتْ بيتين من الشعر فيهما على الأقل خمسة أخطاء إملائية.

 قلت لسيادة العميد: كما ترى يا سيدي، هذه الطالبة قد تكون مستقبلا مذيعة، أو مدرّسة، أو صحفية، أو كاتبة، فإذا نجحت وهي في هذا المستوى الضعيف، قد تكون كارثة على الوطن، الذي يحاول ”سيادة الرئيس“ جعله وطنا منيعا في وجه العدو الصهيوني الغاشم.

نهض العميد وقال مبتسما بسخرية واضحة: حاجي تبيعنا وطنيات يا دكتور، لا تخليني ارجع لهون، ونجّح البنت.

سألت صديقي الدكتور المهذب جدا: والنتيجة يا دكتور؟

قال بخجل والعرق يتصبب من جبينه: نجحت البنت!

وتقول الشائعات إنها كانت ”نخب أول“ بين الشبيحة أثناء الثورة.

ماردين في ٢٣-١٢ -٢٠٢٣

زر الذهاب إلى الأعلى