الرأي العام

الانتهازية السياسية في سوريا من التشبيح إلى التكويع

الفنانون كانوا يقبّلون البسطار العسكري من أجل أن يدعس على أبناء شعبهم، وكل السوريين يعرفون تلك الفنانة التي طلبت من الرئيس المخلوع أن يقصف الثوار بالسلاح الكيماوي

صابر جيدوري – العربي القديم

     أود بداية الإشارة إلى أن الحديث عن الانتهازية السياسية ليس جديداً، بل هناك عشرات الدراسات والأبحاث والمقالات التي تناولت هذه الظاهرة المقيته في المجتمعات العربية عموماً وفي المجتمع السوري على وجه الخصوص، لذا فإن هذا المقال لا يبحث في أسباب الظاهرة بحثاً علمياً، ولا في انعكاساتها غير المحمودة على المجتمع، ولا في طرق مواجهتها، لأن مثل هذه الدراسات تحتاج إلى باحث متفرغ للبحث العلمي. ما أريده في هذا المقال المتواضع هو التعريف بالظاهرة، وكيف تشابكت مع مفهوم التشبيح ومفهوم التكويع الذي يتداوله الكثير من السوريين هذه الأيام.

     تُشير معظم المعاجم اللغوية إلى أن كلمة الانتهازية تُشتق من مادة “نهز” التي تعني اغتنم، والانتهاز هو المبادرة، ويقال انتهز الفرصة أي اغتنمها وبادر إليها، وهي في معناها الاصطلاحي أو السياسي لا تختلف كثيراً عن المعنى اللغوي المشار إليه، فالإنسان الانتهازي هو الذي يغتنم الفرص ويستثمرها من أجل أهداف معينة تختلف باختلاف منطلقاتها. وفي قواميس اللغة فإن الشخص الانتهازي هو من يقوم باقتناص الفرص، ويستغل أي وسيلة لتحقيق المنافع الشخصية، كحالة بعض السوريين الذين انقلبوا بسرعة البرق من تأييد النظام البائد إلى تأييد الحكم الجديد خوفاً على مصالحهم ضاربين بعرض الحائط أي مبدأ أخلاقي (ويكيبيديا: الموسوعة الحرة).

     أما تجليات اقتناص الفرص الناتجة عن ظرف جديد أو عن تحول سياسي كما هو الحال في سوريا فهي كثيرة، لعل أبرزها: اقتناص منصب سياسي، أو اقتناص صفقة مالية، أو اقتناص مركز اجتماعي، أو خوفاً من المجهول الذي يرافق عملية التحول السياسي. من هنا نجد أن كثيراً من أنصار النظام السوري البائد أصبحوا يتفننون في انتهازيتهم، ويتقنون فن تفصيل الأقنعة، وقادرون ومن دون حياء أو خجل بأن يقدموا أنفسهم مجدداً على أنهم مع ثورة الشعب السوري رغم محاربتهم لها ودعمهم لنظام الاستبداد لأكثر من عقد، هؤلاء الانتهازيون، من مختلف فئات المجتمع، لديهم قدرة فائقة على تمييز الأكتاف ونوعيتها، فهم يعرفون جيداً الكتف التي تُؤكل، والأخرى التي يربت عليها، والضعيفة التي يتسلّقونها ليصعدوا عليها.

     من هنا، يمكن النظر إلى الانتهازي بوصفه مجرد من أي مبدأ أو عقيدة أو فكرة، ومن صفاته الغدر والخيانة للفئة أو الحزب الذي ينتمي إليه أو حتى لبني جلدته أو لأبناء شعبه، فهو يجيد لعب كافة الأدوار، واقتناص كل الفرص المتاحة لتحقيق المكاسب والمنافع الشخصية حتى لو كانت غير إنسانية وغير أخلاقية. والأمثلة كثيرة في الواقع السوري لدرجة لم نعدّ نفهم كيف لأستاذ جامعي شبّح لسنوات طويلة على زملائه، ونجح في عضوية المؤتمر القطري لحزب البعث قبل ستة أشهر أن يكوع فجأة ويدعي أنه مع الثورة ضد النظام، بل ويضع علم الثورة على صدره بكل صفاقة.

وكيف لأستاذة جامعية تحمل درجة الدكتوراه في الإعلام تتخلى عن قيمها الجامعية ثم تلبس البدلة العسكرية وتذهب إلى الثكنات والمطارات العسكرية لتعزيز وتشجيع وحث الضباط على قصف القرى والمدن السورية، وكيف لأستاذ جامعي يطلب من جيش الأسد أن يمسح مدينة سورية من الوجود؟!

والمسألة لا تتوقف عند أساتذة الجامعات الذين وظف الكثير منهم مخزونه المعرفي لخدمة الاستبداد، وظهروا على شاشات التلفزة بصورة قبيحة يمجدون الطاغية وممارساته في قتل الشعب السوري، ثم فجأة يكوعون نحو الثورة في يوم انتصارها ويدعون أنهم من داعميها، بل أكثر من ذلك ما رأيناه من رجال الدين وتشبيحهم للنظام حتى وصل الأمر بأحدهم أن يطلق صفة الفيلسوف والمفكر على رأس الاجرام، ثم فجأة يكوعون نحو الثورة في يوم انتصارها. ولا يقتصر الأمر أيضاً على هؤلاء، وإنما امتد إلى الفنانين الذين كانوا يقبّلون البسطار العسكري من أجل أن يدعس على أبناء شعبهم، وكل السوريين يعرفون تلك الفنانة التي طلبت من الرئيس المخلوع أن يقصف الثوار بالسلاح الكيماوي وقد لبى طلبها مرات عديدة، وفجأة يتحول هؤلاء من التشبيح إلى التكويع ويدعون كذبا وزوراً أنهم مع الثورة.

    هكذا يسعى الانتهازي إلى تحقيق أغراضه ومصالحه بوسائل لا يجيدها سواه، أولها النفاق لمن هم أعلى منه مكانة اجتماعية أو سياسية، أو مالية أو علمية، ومحاولة الصعود على أكتاف غيره، والطعن والمؤامرات والوقيعة بين الناس. ودائما يجد الانتهازي مبرراته، خصوصاً إذا كان سياسياً أو كاتباً أو صحفياً أو أكاديمياً أو شيخاً يعتلي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تبرير انتهازيته بالقول: إن المرحلة تتطلب ذلك، وهو يقصد بذلك مصلحته الشخصية بطبيعة الحال، وليس مصلحة المجتمع، وهذا ما دعا الكاتب الساخر د. إياس الرشيد إلى أن يقول فيهم شعراً بدوياً يعكس حالتهم:

يرتاح قلبي لا شاف المكاويع

يركض ورا الصفحات كنه عجاجة

يسأل عن الثورة وبيده دراقيع

الله يستر من ركيض الدجاجة

على أية حال، يجب أن يعرف هؤلاء المعاقون ذهنياً أن انتهازيتهم مكشوفة ومعروفة، وأنه من الغباء أن يظنوا غير ذلك، لأن جماهير الثورة لديها حدس دقيق يمكنها من التمييز بين الثوار الصادقين والمخلصين وأولئك الذين يثيرون الاشمئزاز بين الناس. ورحم الله الإمام محمد بن ادريس الشافعي الذي قال: ولا خير في ود امرئ متلون … إذا الريح مالت مال حيث تميل.

زر الذهاب إلى الأعلى