تفاصيل سورية | العطلة الصيفية في الشيخ مسكين

غسان المفلح
قبل أن احدثكم عن الصف الخامس، كان انتظار الصيف بالنسبة لي كل عام مشوقا، لأننا في العطلة الصيفة نذهب إلى قريتي (الشيخ مسكين)، هناك أركب على بغلة جدي وكديش خالي. وكثيرا ما كان جدي أبو موسى رحمه الله يأخذني معه إلى الأرض، كما أنه يدللني كثيرا، هنا كما يقال الشيء بالشيء يذكر، كنت أنا الوحيد الذي يسمح له، خالي أبو سعيد رحمه الله، بتناول طعام الفطور الصباحي معه أحيانا، ويحدثني بعد ذلك عن أمور شتى. لكن الأهم من هذا أن خالي لا يفطر سوى سمن عربي إما مع عسل أو مع دبس عنب. كان يأتيه من السويداء أو دبس تمر. ثم يقول لأمي ضاحكاً: “خية ابنج بده كل صيفية تنكة سمن عربي”.
أكتب عن العطلة الصيفية هذه لأنني كنت أستمتع فيها بقريتي، حميمية أجواء القرية لا تشبه حميمية حارتنا بالشام. في القرية التي تقع في موقع استراتيجي على طريق دمشق درعا القديم كما صار يسمى، بعد أن تم شق الأوتوستراد الجديد الذي يمر شرقي الشيخ مسكين، فباصات دمشق- درعا تمر منها، وباصات دمشق- السويداء وباصات دمشق- نوى تمر منها أيضا في ذلك الزمن. لهذا أحيانا أركب باص دمشق درعا، أو باص دمشق السويداء، أو باص دمشق- نوى. بالثلاثة أصل إلى الشيخ مسكين.
الشيخ مسكين القرية التي صارت مدينة لاحقا، كان الفواعرة والذين هم عشيرتي يتوسطون القرية في سكنهم. ويجاورهم آل الخصاونة والحريرية والتماكنة والديرية أيضا هذه هي عشائر وعائلات القرية تقريبا، أكبرها الحريرية وبعدها الفواعرة، كما يجاورها بعض بيوت ما يعرف بالمتوالة، الذي قدموا إليها من لبنان في زمن لا أعرفه. بينما دار أخوالي كانت على طريق الشيخ – درعا، لهذا كنت كلما يصيبني الملل في ساحة القرية أذهب لدار أخوالي والعكس صحيح، لكن القصة أن المسافة طويلة بين المكانين.
وفق تاريخ سورية السياسي المعاصر كان الفواعرة والديرية بعثيين، بينما الحريرية وفق معرفتي المتواضعة، كانوا أقرب لتوجهات الشخصية البارزة محمد خير الحريري رحمه الله الذي يلقب بالبيك، حيث لم يكن بعثيا ويكره البعث بغض النظر عن ملابسات تلك العلاقة. يحتاج فعلا إلى زاوية خاصة في الحديث عنه – بعد أذن ابن البيك، نائبنا الشيخ ناصر محمد خير الحريري (أبو صايل)، الذي انشق بعد الثورة 2011. وكأول نائب في مجلس شعب الأسد ينشق في لقاء على الجزيرة.
كان البيك على علاقة قوية مع خالي أبو سعيد ويزور معه بيتنا في الشام، كنت أترقب مجيئه مع خالي، لأنني لا أعرف من أين سمعت أن له عين خضراء والأخرى زرقاء. كان كلما يأتي أنظر كثيرا إلى عينيه وهو يبتسم. أما صديقنا الشيخ (أبو صايل) فكنت أعرفه من بعيد لبعيد كما يقال، كان أخوه الأصغر (منتصر) صديقي في تلك الأيام وما بعدها. لكنني لازلت أذكر زيارته لي بعد خروجي من السجن 1999، وزارني مرتين. هذه الزيارة فاجأتني بالواقع، خاصة من رجل بموقعه السياسي وقوة حضور المخابرات الأسدية. شيخ الحريرية ونائب في مجلس الشعب.
نتيجة زياراتي الصيفية للقرية صار لي شلتين، واحدة في القرية وواحدة في الشام. شلة للصيف وشلة للشتاء! خالي أبو سعيد رحمه الله كان من وجهاء القرية رغم صغر عائلته، ولا عشيرة له. لكنه من الشخصيات التي أثرت بي أيضا. بالمناسبة تعلمت كلمة لم أسمعها إلا منه، كان يقول عن شخص يكذب أنه “كنكسور جذب” وإلى الآن لم أعرف معناها. أيضا حول خالي رحمه الله عندما طلبت للمخابرات عام 1986 اجتمعت نصف القرية في بيتنا وكان أغلبهم من الفواعرة، وكان هنالك شخص (لا أريد ذكر أسماء)، صرّح في مضافتنا في القرية، أمام الناس: “لو كان عندي ابن مثل غسان لوضعت راسه على الجدار وأطلقت فيه طلقة، كيف يعادي بشار الأسد؟” فما كان من خالي إلا أن صرخ به: “انت بدك تعلق ابن اختي وتحط برأسه طلقة؟! إذا فيكم رجال بالقرية فهو ابن اختي”.
أكيد في زاويا أخرى سأعود للقرية لأنها أيضا تشبه فيما تشبه، عشوائيات دمشق التي أحب.