تفاصيل سورية | صديقي علي عاشق عش الواقواق

غسان المفلح.
الكتابة عن صديق في عقد الثمانينيات، وكأن الحدث لايزال مستمرا بشخوصه وفضائه العام. البشر فيه لايزال معظمهم أحياء.
تصفت تلك الفترة بأننا كمعارضين بملمح يساري، نعيش جوا من السرية، والخوف من المخابرات في أي لحظة. رغم أن هنالك خلافات سياسية في قراءة الواقع السوري والتعامل معه بيننا، إلا ما يجمعنا أيضا الحرص والسرية قدر الإمكان خوفا من الفضاء الاستخباراتي. في أي لحظة يمكن أن تجد نفسك محاطا في بيتك في غرفتك، برجال المخابرات وتقتاد إلى جهة معروفة أو غير معروفة، ليس مهما بالنسبة لهم. بعدها تصير في عداد المغيبين. في أي لحظة يسحبونك من حياتك، وأنت في عمر تستعد فيه للعطاء، سواء على المستوى الشخصي أو العام. في هذا الجو الكابوسي، كنا نتبادل الزيارات واللقاءات سواء في البيوت او في الغرف المستأجرة في عشوائيات دمشق. رغم ذلك لكل منا اهتماماته غير المعارضة.
هنالك من هو مشروع صحفي أو كاتب أو باحث او مشروع شاعر أو روائي أو قاص أو ممثل. هذا كان ملمحا أيضا يخصنا كيساريين لا أعرف ربما أكثر من غيرنا من التيارات الاخرى أو أقل. في هذا الجو تعرفت على المحاولات الأولى للروائي السوري الجميل الصديق علي عبد الله سعيد. صاحب الأعمال المطبوعة: اختبار الحواسّ (رواية) التي حصلت على جائزة الناقد 1993 جمالية المتاهة (رواية) جائزة منتدى ابن خلدون القاهرة 1993 براري الخراب (رواية) دار آرام دمشق 2000 الأعمال القصصية المطبوعة: • هكذا مات تقريباُ – مطبوعات وزارة الثقافة السورية 1993 • موت كلب سريالي – جائزة أصدقاء الأدب وزارة الثقافة السورية 1993. وسكر الهلوسة وغيرها.
كان علي يستأجر في حي دف الشوك، غرفة بمطبخ مشترك مع غرفة الصديق الشيوعي العراقي فاروق صبري كمسرحي أيضا والهارب من جحيم صدام حسين. فاروق صبري تزوج لاحقا من الصديقة الشاعرة السورية فرات أسبر وهاجرا إلى استراليا. سمعت عن هجرتهما بعد خروجي من السجن. ما كان يميز علي في تلك الفترة (ولايزال)، سلاطة اللسان ورفضه الانخراط بأي تجربة حزبية سورية. بغض النظر عن بعض الميول السياسية هنا وهناك لكل واحد منا. كنا نرفض الانخراط بأي فصيل معارض لكل أسبابه. بالنسبة لي ذكرت في زاويا سابقة أسبابي.
بقيت أرى علي وشلتنا المشتركة هناك في غرفته وأحيانا في غرفة فاروق، حتى هربت من المخابرات إلى حلب نيسان 1986 وحين خرجت من السجن، زرته مع عائلته في دمشق.
ثلاث سنوات تقريبا. عرفت علي عن قرب تقريبا في أغلب لحظاته. كان أيضا يزورني في بيتي كثيرا. المسافة بيننا لا تتجاوز كلم واحد. علي كان يعمل في مؤسسة الإسكان العسكري، حيث زرته أكثر من مرة في مكان عمله. لا أزال أذكر عشقه لرواية طيران فوق عش الوقواق. للروائي الأمريكي كين كيسي. التي تدور أحداثها في مصحة للأمراض النفسية. كان علي هو السبب في أنني قرأت هذه الرواية مرتين، ونصحت عدد من الأصدقاء والصديقات بقراءتها.
من الأشخاص الذين تعرفت عليهم عند علي كان النقيب نعمان حبيب. الذي زارني في بيتي مع علي أكثر من مرة. شدتني دماثة هذا الضابط الشاب، وحديثه. لنلتقي مجددا في سجن صيدنايا بعد عدة سنوات، كمعتقلين للانتماء لحزب العمل الشيوعي. علما أنني في تلك الفترة لم أكن حزبيا ابدا. كانت سهراتنا لا يوجد فيها موضوع يخص سورية لا يناقش، كل الشأن السوري كان على الطاولة يتمرغ في احلامنا بسورية حرة جميلة، سورية التي نبكيها حزنا الآن على ما فعلته الاسدية بها. لكن ما كان يميز علي هو ذلك الغلاف الشفيف من السخرية المرة في حديثه عن أحزاب وتيارات المعارضة. وكأنه يراها مصحة نفسية سورية! تأثرا بجون كيسي. هذا الهم السوري كان يشغل علي من زاوية مشروعه الروائي الذي كان يحيكه بصمت.
لم آتِ على ذكر علي في التحقيق لا أنا ولا الصديق المرحوم بسام حسين، ولا أظن أن نعمان أتى على ذكره كما فهمت من نعمان عندما التقينا في سجن صيدنايا. علي لم يكن بوارد أن يصير حزبيا، ولا طبيعته الشخصية تسمح بذلك حتى لو أراد للحظة. لهذا علي بقي حرا في الحديث عما يجول بخاطره سياسيا منذ تلك الأيام وحتى الآن. الأجمل عندما كان يناكف أي واحد من الأصدقاء على حديث سياسي او فكري أو سياسي. بديهة ساخرة حاضرة دوما، وهو قارئ نهم أيضا. لكنه ليس سكيرا تماما ههههه. عاشق من طراز خاص. همشري أيضا من طراز خاص أيضا. كانت غرفته مضافة حقيقية على صغرها. لايزال علي حتى الآن حاضرا.
بعد أن زرته بعد خروجي من السجن، قال لي: “شو يللي غيرك وخلاك تجن وتروح على الحزب هههه” مع ضحكته المجلجلة!
لهذا سأحاول الأخذ بثأري منه من خلال كتابتي في قادم الأيام عن إحدى رواياته. كن بخير يا صديقي ليستمر عطاؤك. أشتاق لسهرة معك. كان صديقنا المشترك بسام حسين رحمه الله، يقول لي كلما علق مع علي في نقاش” صاحبنا مجنون” ويضحك.
لفت انتباهي عدم توضيح الكاتب بخصوص هل قرأ رواية كين كيسي باللغة الاصلية الانجليزية ام بالترجمة العربية؟
اذا كانت الترجمة لماذا لم يذكر اسم مترجم الرواية صبحي حديدي وهذا حق مشروع لمترجم وناقد وكاتب سوري معروف؟
الأخ بسام:
المقال ليس عن رواية كين كيسي، بل مذكرات شخصية، وهو يذكر ما كان يحب صديقه أن يقرأه ومن ضمنها هذه الرواية، ولهذا هو ليس ملزم بذكر من ترجمها أو نشرها لأن السياق سياق سرد مذكرات، وليس سياق بحث أدبي