فنون وآداب

نصوص أدبية || البُويَجي

نظرية الجوارب المثقوبة

قصة قصيرة: موسى رحوم عبَّاس * – العربي القديم

      أيُّ نوع من الحياة لشخص يعمل لمدَّة أربعين سنة في مهنة واحدة، روتينه اليوميُّ هو عينه، قهوة، توقيع على دفتر الدَّوام، القيام بأعمال للمرَّة الألف، وربَّما العشرة آلاف مع تعديلات طفيفة، أحاديث مقتضبة مع بعض الزُّملاء، المشاركة في مؤامرات صغيرة ضدَّ البعض الآخر، ادِّعاء الخبرة أمام الموظفات المبتدئات، واقتناص الفرص المتاحة، إطلاق إشاعات تغيير المدير العام الحالي، ولا بأس في إخباره لاحقا بردَّة فعل الزُّملاء أو بعضهم والتكتُّم على البعض، وخبِّي قرشك الأبيض ليومك الأسود!

 أدركتُ هذه الحقائق مبكِّرا؛ لذلك لم أستقرّ في مهنة أكثر من أشهر، ونحن أبناء الفقراء ندخل سوق العمل مبكِّرا، في الثَّانوية شعرتُ بالفخر لتلك البشرة البيضاء النَّاصعة والعينين الزَّرقاوين، وهما صفتان كسبتهما من جدَّتي الأرمنيَّة آربي أو الحاجة شمسة وهو الاسم الذي تحبُّه، وكان جدَّي قد سأل جاره هاكُوب عن معنى “آربي” في الأرمنيَّة، فضحك ضحكته المجلجلة كما ذكر جدَّي القصَّة وفي كلِّ مرَّة يزيد عليها، أو ينقص منها، لكنَّ الثَّابت فيها قول هاكُوب، آربي ياحاج خلف هي الشَّمس التي أشرقت في حياتك، لكنِ انتبه قد تحرقك إذا أسأتَ لها، هذا الاستطراد ربَّما أخفِّف منه عند المراجعة، وربما لم يسأل جدي أحدا عن المعنى؛ فاخترعه كما كان يخترع القصص والأساطير؛ ليقطع ليالي الشتاء الباردة، وهو يلقم مدفأة الحطب ما تبقى لديه من أخشاب مسروقة من ورشة الحكومة التي تبني مخفرا جديدا للعسكر. هاتان العينان الزَّرقاوان كانتا جواز مروري لأوَّل وظيفة في مطعم يرتاده التُّجار الكبار في مدينتنا، أو القيادات المهمة في الحزب والمخابرات، وأحيانا عدد من مُحدَثي النِّعمة ولاعبي القمار والقوَّادين، منحني صاحب المطعم رزمة من الأوراق النَّقدية، بعد أنْ تفحصَّني جيدا، وهو يقلب شفتيه، ويحرِّك رأسه يمينا وشمالا، إعجابا أو سخرية، لا أعلم! ثم أمرني أن أشتري قميصا جديدا، وحذاء لامعا، وأحلق شعري حلاقة عصرية، وعندما رآني باللِّباس الجديد، صفَّر بصوتٍ عالٍ، وهو يقول متلمِّظا، يوال! والله صرت خواجة، يا عَجي! وعيَّنني في مقصورة الدَّرجة الأولى، لكنَّني لم أحافظْ على هذه التَّرقية سوى ثلاثة أشهر، طردتُ إلى الرَّصيف بعد أن ألقى بي اثنان من زملائي مثل كيس قمامة إلى الرَّصيف المقابل لمدخل المطعم، لأنني رفضت أن أسكب الخمر في علبة الكوكا كولا؛ لتقديمها لشيخ من دائرة الأوقاف، وقلت له “اللي يسْكر لا يعدْ قداح” انتقلتُ بعد أن شُفيت عيني إلى بيع الخضار في مبسط مجَّاني، كما كنتُ أظنُّ، كنتُ أحمل خرقة نظيفة مبلَّلة ألمِّع بها البندورة والخيار والباذنجان، وأرش البقدونس والخسَّ بالمياه، عرفني كلُّ أهل الحيِّ، حتى إنني أبيع كلَّ ما أحضره من سوق الجملة، أو ما يعرفه أهل المهنة بسوق ” الهال” وأعود للبيت منتشيا بأرباحي، لكن ما لا أفهمه، لِمَ مراقب البلدية يخالفني يوميا، ويتجاوزعن جيراني من أهل المباسط مع نصف ابتسامة على وجوههم، حتى إنَّه داس على صندوق البندورة برجليه، ونثر إضمامات البقدونس بين أرجل المتسوِّقين، وهو يتمتم، الله ياخذ البخيل وياخذ حياته، تصنَّعتُ البلاهة، ولم أدفع له رشوة، وهذه وظيفتي الثَّانية التي أخسرها قبل أن ينتهي الموسم الصيفيُّ للخضار، في السَّنة الأخيرة من المرحلة الثَّانوية، قال لي أبي إنني أصبحتُ” قدَّ الجحش” فهمتُ أنني يجب أن أبحث عن عمل، عملت عتَّالا في السُّوق، وصبيَّ نجار، ومساعد سبَّاك، وتعلمت اللِّحام في المِنطقة الصِّناعية، حتى بدأ أبناء مدينتي يعرفونني جميعا، وقبل أن أسأل عن عمل، يقول المُعلِّم، الله يسهِّل عليك، لسنا بحاجة!

الوظيفة الوحيدة التي ليس لها” مُعلِّم” هي وظيفتي الأخيرة، ورأسمالها كرسيٌّ صغير صنعته من صندوق خشبيٍّ قديم، وما يشبه الطَّاولة الصَّغيرة ذات الجيوب وبضع زجاجات ” بويا” للأحذية، والله يحبُّ المحسنين.

من أشهر لوحات لؤي كيالي (1932- 1978) عن ماسحي الأحذية

اخترت مكانا استراتيجيا قرب كراج السَّيارات المتجهة للعاصمة، وكان على يميني عبدو ابن خالتي حسنة، وعلى يساري عليٌّ ابن جيراننا البكُّور، لا أستطيع تفسير سعادتي بهذه المحطَّة من حياتي المهنية، وأتحفَّظ على كلمة ” حياة” لكنني استعرتها من موقع إعلانات الوظائف، ربَّما شعوري بعدم وجود مُعلِّم، وربَّما لأنني صرتُ أدخِّن من مالي الخاص، حتى إنَّني اشتريتُ سكِّينا حادة أخفيها تحت قميصي للطَّوارئ، صرتُ مع الوقت لا أنظر لوجوه زبائني، حتى إنَّني لا أتذكَّر شواربهم، أو لحاهم، إن كانوا من ذوي الشَّوارب واللِّحى، ولا أميز الأسمر من الأبيض وما بينهما، أعرفهم من أحذيتهم، بل أحدِّد مستوى كلٍّ منهم الماديَّ والاجتماعيَّ من خلال الأحذية، ضحكتُ كثيرا عندما شاهدت على شاشة التِّلفزيون سيدة كتبوا تحت صورتها ” خبيرة ” تقول إنَّ أول ما يجذب المرأة في الرُّجل هو حذاؤه، أحذية الجلد السَّوداء الرَّقيقة مع الخيوط لطبقة من الرِّجال، وبدون خيوط لطبقة أخرى، الألوان الغريبة لطبقة ثالثة، الأحذية ذات السِّيقان العالية أو العسكرية تخيفني؛ لذلك أدعكها جيدا حتى تلمع، وعندما أنقر على الفردة اليمنى بهدوء؛ ليقوم الزبون بتبديلها لليسرى، أراقب حركته، وأتوقع رفسته لي في أيَّة لحظة؛ لذا أجهِّز نفسي للتراجع، لا أحبُّ المباغتة في كلِّ شيء، ومع الوقت صرتُ أعرف مُحدثي النِّعمة، وأميزهم بهامش خطأ صفريٍّ، وعندما أشكُّ في حُكمي، أقدِّم للزَّبون ” شحَّاطة ” البلاستك التي أخفيها داخل الصُّندوق، ليسند إليها قدمه، بعد أن أقنعه أنَّ خلعه للحذاء يجعلني أتحكَّم أكثر في تجويد التَّلميع، عندها تظهر الثُّقوب في جواربه؛ فأفرك يديَّ مُخفيا ابتهاجي بنصري الصَّغير عليه، ليس شيئا سيئا أن تقوى علاقتك مع الأحذية، وتضعف مع أصحابها، مع تلك الأضرار الجانبيَّة التي تتلبَّسك مع الوقت، على سبيل المثال، وأنتَ تمشي في الشَّارع تركِّز نظرك على الأحذية، يفوتك الكثير من النَّظر للوجوه الجميلة، أو حتى القبيحة، لا تهتم بمشاعر الخوف، أو القلق، أو الحزن التي تبدو على وجوه المارَّة، كنتُ أظنُّ أنَّ هذه المهنة ليس لها أخطار، كنتُ غبيا، غبيا جدا، عندما طبقت نظريتي حول محدثي النِّعمة، والتي سمَّيتها لاحقا بنظرية ” الجوارب المثقوبة” كان ذلك اليوم باردا، مكفهرا، لا شمس فيه فقد حجبتها الغيوم السَّوداء المثقلة بالمطر، رائحته لا أنكرها، تقدَّم أحدهم، فرفع قدمه اليمنى وضغط بها بغطرسة على الصُّندوق، وهو يُجري مكالمة عبر جوَّاله، ويرفع صوته دون اكتراث بمن يسمعه، وبحركة من يده يأمرني بمباشرة العمل

  • أهلا أبو همام!
  • ……
  • تمَّ العمل كما أمرت سيادتك!
  • ………
  • حاضر سيدي، حااااضر.
  • ……………..
  • بأمرك، سيكون كلُّ شيء كما أمرت!

تصنعت هيئة الجدِّ، وطبَّقتُ الخطَّة والنَّظرية، خلع حذاءه، وأسند قدميه على شحاطة البلاستك، تأكدتُ من صدق نظريتي، وهاهوذا  إصبع قدمه يكاد ينفر من مقدِّمة الجورب، فبدأتُ التَّلميع بأقصى طاقتي، وأضفتُ طبقة شمعيَّة لامعة، وكرَّرتها عدَّة مرَّات، وأنا أنظر لصورتي في الحذاء، عندها صرخ بي، وهو يضغط على سيجارته بأسنانه، هل انتهيت؟ هل انتهيت؟ قلتُ له بكلِّ ثقة، نعم، تستطيع أن تتأكَّد!

  • وكيف أتأكَّدُ؟
  • انظر بنفسك إلى الحذاء!
  • هل تقصد أيُّها الوغد بأنني أرى صورتي في الحذاء؟
  • ……………
  • ابن الكلب سألقِّنك درسا لن تنساه!

عندما استفقتُ من الإغماء، وجدتني بين يدي ابن عمتي، وبعض زملاء المهنة، وأخبروني أنه غادر المكان بعد أن رفسني بكل قوته، رفسة كانت كافية بقذفي عدة أمتار، وبعد أن أعاد علي البكُّور جاري تجميع  علب البويا وقطع الاسفنج والخرق في صندوقي المحطَّم، أعطاني بضعة أوراق نقدية تفوق أجرتي بكثير، قالوا إنَّه تركها، وهو يقول، حدَّ الله بيننا وبين الحرام! وقد يكون هذا المبلغ هو غَلَّة اليوم لزملاء السَّاحة، جمعوها لي، بينما هو غادر السَّاحة مستعجلا؛ ليردَّ على الاتصالات الهاتفية الكثيرة مع سيلٍ من الشَّتائم لأمهاتنا وأخواتنا! تمنَّعتُ عن قبول المال كثيرا؛ لكنهم أصرُّوا عليَّ، ودسُّوها في جيبي. كنتُ أرى التماع الدُّموع في عيونهم الصامتة، ذلك الصَّمت الذي يقول كلَّ شيء!

عندما انتسبتُ لقسم الفلسفة في الجامعة بعد نجاحي في الثَّانوية، كنتُ أواجه مشكلة لم أستطع حلَّها، فالفلسفة تريد منَّا أنْ نحكم على النَّاس من خلال أفكارهم، والفلاسفة من المقارنة بين نظرياتهم، وأنا تعلمتُ أنْ يكون معياري في الحكم هو الأحذية، ثمَّ كيف يكون لي أن أطبِّق نظرية” الجوارب المثقوبة” في الفلسفة؟!

ستوكهولم، السُّويد: 2- 2005   

_____________________________

  *عضو اتحاد الكتاب في السُّويد ( SFF)     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى