الرأي العام

قصد السبيل | سجال مع مُلحد

د. علاء الدين آل رشي

العقل وظيفته  ودوره في الإيمان. [مهداة إلى الصديق عصام القيسي].

إن القول بأن المادة هي التي أوجدت العقل الإنساني، يستدعي العديد من التساؤلات الفلسفية والعلمية العميقة. أحد أهم هذه التساؤلات هو: لماذا يمتلك العقل البشري قدرات تفوق حاجاته المادية الأساسية؟

قبل الخوض في تفاصيل هذه المسألة، يجب أن نتذكر أن العديد من الاكتشافات العلمية بدأت من فرضيات ذهنية قبل أن تتحول إلى حقائق مادية ملموسة. على سبيل المثال، اقترح العلماء وجود جسيمات معينة أو قوى فيزيائية قبل أن يستطيعوا رؤيتها أو حتى ملاحظة آثارها بشكل مباشر. هذا يدل على أن العقل البشري مُصمم لاكتشاف ما وراء المحسوسات والمادة.

إذا كانت المادة هي التي أوجدت العقل، فلماذا منحته إمكانيات فائقة تتجاوز مجرد البقاء على قيد الحياة في البيئة المادية؟ العقل لا يقتصر على التعامل مع الأمور الحسية المباشرة فقط، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليحلل مفاهيم معقدة مثل نشأة الكون وتطوره، ويقدم نظريات تتعلق بمسافات وأزمان لا يمكن لأي من حواسنا إدراكها بشكل مباشر. بل إن العقل البشري استطاع اكتشاف أشياء لم يكن لها أي تأثير مباشر على الحياة اليومية للإنسان في العصور السابقة، مثل فهم بداية الكون منذ حوالي 14 مليار سنة.

وفقًا لنظرية التطور المادي التي يتبناها الملحدون، فإن الصفات والقدرات تتطور حسب الحاجة المباشرة للبقاء والتكيف مع البيئة. وإذا كان الأمر كذلك، فما حاجة الإنسان لقدرات عقلية خارقة تتجاوز تمامًا متطلباته المادية اليومية؟ لماذا يُجهز العقل البشري لاستكشاف ما هو أبعد من حدود الواقع المادي المباشر، مثل التفكير في نشأة الكون أو استشراف مفاهيم فلسفية عميقة؟

العقل ليس مجرد أداة للبقاء، بل هو أداة للاستكشاف والتساؤل والفهم العميق للواقع المحيط ولما هو أبعد من ذلك. وهذا يدل على أن مصدره ليس مجرد المادة العشوائية، بل هو نتيجة تصميم دقيق من جهة عليا تتجاوز المادة. فلو كانت المادة هي التي أوجدت العقل كما يدعي الملاحدة، لما كان هذا العقل يتجاوز الحاجات المادية المباشرة. لكن الحقيقة أن العقل البشري ليس محصورًا في نطاق البقاء البيولوجي، بل يمتلك القدرة على تجاوز حدود الواقع المادي، وهذا يتطلب وجود قوة عاقلة خلف هذا التصميم.

نحن المؤمنين نرى أن الله، سبحانه وتعالى، هو من أوجد العقل ووضع فيه هذه الإمكانات الهائلة. الفيلسوف قد يستخدم تعبير “العقل” بشكل مجازي ليشير إلى الله، ولكننا نعلم أن الله لا يُختزل في أي مفهوم مادي أو عقلي. الله هو الذي خلق الكون والعقل معًا، وأعطى للعقل القدرة على إدراك حقائق تتجاوز حدود الحواس المادية. ومن هنا، نستطيع أن نفهم أن العقل لم يُخلق فقط للحياة المادية، بل هو مجهز لاكتشاف حقائق كونية عظيمة وأسرار لا تصل إليها الحواس بمفردها.

بالتالي، فكرة أن المادة هي التي أوجدت العقل تتعارض مع الواقع الذي نعيشه ومع القدرات العقلية الخارقة التي نلاحظها. فالعقل ليس مجرد أداة للتكيف مع البيئة، بل هو أداة للتفكر العميق في أصل الوجود وغاياته، وهي قدرات لا يمكن تفسيرها ضمن الإطار المادي البحت.

إذن، ما يعطينا العقل من إمكانيات تتجاوز حاجاتنا اليومية هو دليل على أن وراء هذا الكون عقلاً أعظم، هو الله الخالق، الذي وهبنا هذا العقل كوسيلة لفهم الكون والوصول إلى حقائق أعمق، ليست المادة قادرة على تفسيرها بمفردها.

زر الذهاب إلى الأعلى