توماس هوبز: فيلسوف الخوف ومهندس الدولة الحديثة
قدم تصوراً للعقد الاجتماعي بوصفه اتفاقاً يتخلى فيه الأفراد عن بعض حقوقهم لصالح سلطة سيادية مطلقة

محمد صبّاح * العربي القديم
يعد توماس هوبز أحد العقول المؤسسة للفكر السياسي الحديث، إذ أنه من أوائل من بلوروا مفهوم الدولة بوصفها كياناً مستقلاً عن الشرعية الدينية، وسلطةً تُبنى على تعاقد اجتماعي يهدف إلى كبح جماح الطبيعة الفوضوية للإنسان. لم يكن هوبز مجرد شاهد على عصره، بل كان عقلًا تأويلياً يُسائل الصراعات الدموية التي اجتاحت بلاده، محاولًا استخراج «القوانين الضرورية» التي تجعل من الاجتماع البشري ممكناً. لم يكن يؤمن، كما اعتقد أرسطو، بأن الإنسان كائن سياسي بطبيعته، بل رأى فيه كائناً تحركه الرغبات والأنانيات، مهدداً الآخرين بقدر ما يُهدَّد هو نفسه. لذا، كان لا بد من سلطة قوية، تتجسد في «التنين» الذي يسلب الأفراد حقهم في العنف ليضمن لهم السلم.
وُلِد توماس هوبز في الثالث من أبريل عام 1588، في زمن كانت فيه المملكة البريطانية على شفا صراع مع الإمبراطورية الإسبانية الكاثوليكية. كان مولده سابقاً لأوانه بسبب ذعر والدته عند سماعها نبأ اقتراب الأساطيل الإسبانية، كما لو أن فلسفته في الخوف بدأت مع لحظة ولادته ذاتها. وكأن الإنسان يولد حاملًا أعباء العالم، وكما قال هوبز لاحقاً: «حياتي بدأت بالخوف، وستنتهي به.»
في طفولته، أبدى نبوغاً مبكراً في تعلم اللاتينية واليونانية، وكأن روحه كانت مهيأة منذ البدء للانخراط في الميراث الفلسفي والسياسي للحضارات السابقة. وعند بلوغه الخامسة عشرة، كان العالم من حوله يموج بتحولات سياسية كبرى: رحيل الملكة إليزابيث الأولى، وصعود جيمس الأول الذي حكم بنزعة مطلقة، متجاهلًا البرلمان، وساعياً لفرض سلطته الدينية على البلاد. لم تكن هذه الصراعات سوى مقدمة للمأزق الذي ستواجهه بريطانيا لاحقًا في الحرب الأهلية، والذي سيفرض على هوبز ضرورة إعادة التفكير في مفهوم السلطة والسيادة.
حين كان طالباً في أكسفورد، انشغل بدراسة فلسفة أرسطو والفكر المدرسي، لكن سرعان ما دفعته الحوادث السياسية إلى إعادة النظر في كل ما تعلمه. كانت «مؤامرة البارود » عام 1605، محاولة الكاثوليك تفجير البرلمان وقتل الملك، علامة مبكرة على هشاشة النظام القائم، وأظهرت له كيف يمكن للدين أن يكون وقوداً للعنف السياسي. في تلك اللحظة، ربما بدأ يتساءل : كيف يمكن تأسيس نظام يضمن الطاعة دون الحاجة إلى استدعاء اللاهوت؟ كيف يمكن أن تكون السيادة مطلقة دون أن تكون مستبدة؟
في شبابه، عمل هوبز مربياً لأبناء النبلاء، فأتاحت له هذه المهنة فرصة السفر إلى فرنسا وإيطاليا، حيث التقى بأهم العقول الفلسفية والعلمية في عصره. في باريس، هزّته حادثة اغتيال الملك هنري الرابع، مما عزز لديه قناعته بأن الدولة لا تستقيم إلا بسلطة قوية. وفي إيطاليا، التقى بالعالم غاليليو غاليلي، الذي أكد له أن قوانين الطبيعة تنطبق على المجتمع كما تنطبق على المادة. ربما في تلك اللحظة، بدأت تتبلور لديه فكرة أن السياسة يجب أن تُبنى على مبادئ علمية صارمة، لا على الأخلاق الدينية أو الخطاب العاطفي.
كان هوبز معاصراً للفيلسوف فرانسيس بيكون، الذي اعتمد المنهج التجريبي في المعرفة. لكن خلافاً لبيكون، لم يكن هوبز يرى أن التجربة وحدها كافية لفهم الطبيعة البشرية؛ بل كان يؤمن بأن الرياضيات والهندسة تقدمان نموذجاً أكثر دقة لفهم العلاقات الاجتماعية. لقد أراد بناء نظرية سياسية أشبه بنظرية في الميكانيكا: إذا كان الجسد البشري يخضع لقوانين الحركة، فلماذا لا تخضع الدولة لقوانين مماثلة؟
في سياق الأزمة السياسية التي ضربت بريطانيا، كتب هوبز عمله الأساسي الليفياثان (1651)، الذي يمكن اعتباره «إنجيل الفلسفة السياسية الحديثة». في هذا الكتاب، يقدم هوبز تصوراً للعقد الاجتماعي بوصفه اتفاقاً عقلانياً يتخلى فيه الأفراد عن بعض حقوقهم لصالح سلطة سيادية مطلقة، تضمن لهم الأمن والاستقرار. فالإنسان، كما يصفه، ليس كائنًا اجتماعياً بطبعه، بل هو « ذئب لأخيه الإنسان» ، وما لم يتم إخضاعه لقوة عليا، فإنه سيعيش في «حالة الطبيعة»، حيث لا قانون سوى العنف، ولا حق سوى القوة. يقول في الليفياثان: «في غياب سلطة قادرة على كبح الجميع، تكون حياة الإنسان وحشية، مفردة، فقيرة، كريهة، وقصيرة.»
لكن هذا النظام القائم على الطاعة المطلقة لم يكن ليُعجب الجميع. فقد هاجمه الفلاسفة اللاحقون، من روسو إلى كانط، واعتبروه تمهيداً للاستبداد. أما ميشيل فوكو، فقد رأى فيه ميلاداً لـ« السياسة الحيوية»، حيث تصبح السلطة متغلغلة في حياة الأفراد، تُشكّلهم وتُعيد إنتاجهم. ورغم هذه الانتقادات، ظل فكر هوبز حجر الأساس لنظرية الدولة الحديثة، بل إن العديد من المفكرين رأوا أن دول اليوم، سواء في نسختها الديمقراطية أو التسلطية، لا تزال تشتغل بمنطق «التنين» الذي صوّره في كتابه.
بعد عودته إلى بريطانيا، حاول هوبز الاقتراب من الملك شارل الثاني، لكنه ظل ملاحقاً بالاتهامات بالإلحاد والزندقة، حتى أن كتبه أحرقت في جامعة أكسفورد. لكن، كما قال نيتشه لاحقاً : «كل ما لا يقتلني يجعلني أقوى»، وهوبز لم يكن استثناءً. حتى وهو مجبر على الصمت في سنواته الأخيرة، بقي صوته مسموعاً في السياسة الحديثة. فقد فهم ما لم يفهمه الكثيرون قبله: أن الدولة، في نهاية المطاف، ليست أكثر من « آلة» لضبط غرائز البشر، وأن «الحرية» ليست سوى تنظيم للعنف. وكما قال في إحدى مقولاته الشهيرة: « إن أعظم قوة في العالم ليست القانون، بل الخوف الذي يصنعه القانون.»
____________________________________________
* كاتب فلسطيني